

"علي الأميركاني" لهالة كوثراني
ذاكرة الذات التي تروي لتعيش
مقالي اليوم في جريدة النهار- بيروت
"طالما أردت الكتابة عن رجل، يعيش معي منذ أعوام طويلة طيف رجل لست واثقة بأنني أعرفه، كأنني أعرفه ولا أستطيع الإمساك به". بهذا التهميد تستهل الكاتبة اللبنانية هالة كوثراني أحداث روايتها الجديدة "علي الأميركاني"، الصادرة حديثاً في بيروت لدى "دار الساقي" للنشر.
بطلتها شيرين درويش، تسعى الى كتابة روايتها الأولى، بالبحث والتنقيب الجديين عن حبها الأول، الذي هاجر من بيروت إلى أميركا منذ أكثر من عشرين عاماً، أصبحت خلالها زوجة وأماً ومصرفية، تعيش حياة روتينية مملة، تراودها بين حين وآخر كتابة رواية ما، تدشن بها مساراً جديداً في حياتها. علي المنتمي إلى الجنوب أميركياً، عاد في زيارة سريعة لبيروت، لرؤية أمه المريضة في أيامها الأخيرة، وتعويضها عما تسبب لها من فقد رافقها مدة غيابه الطويلة.
تنسج هالة كوثراني فسيفساء سردية تبدو ناعمة ظاهرياً، لكنها تنبش في طبقات متعددة داخلياً، حيث صراع ذاتي متراكم مع الوقت في خلايا شيرين، يكبر فيها ويشتعل إلى الحد الذي يفجر ثورتها، ويجعلها تثور على ذاتها، وتتخذ موقفاً ثورياً حيال المجتمع والتقاليد والأسرة: "كان هذا الصراع قد تركني سجينة غيبوبة طويلة، فما عدت قادرة على أن أحصي الأيام الهاربة أو أعرف أول النهار من آخره". قرارها الحاسم أن تعيش حلمها وسلامها النفسي، وأن تتآلف مع ذاتها المؤرقة، وإن تخلت عن حياتها السابقة، أو اتهمت بالجنون في مجتمع عربي يعوّل كثيراً على الشكليات ويعطيها سلطة أعلى من حرية الفرد.
يتخذ السرد شكل اليوميات، ست عشرة يومياً تبدأ بالأربعاء وتنتهي بالأربعاء، وتنبني الرواية على نوع من التواطؤ والإتفاق بين بطلي الرواية، البطلة بحضورها الراوي، وسمتها الروائية، والبطل بمعرفته المسبقة أن يخضع للتدقيق والمراقبة: "ليست سهلة مطاردة شخص يعشق المشي". يتفقان على اللقاء في بيت العائلة المهجور في الجنوب، وكذلك مصاحبتها له في زياراته لأمه وأخته: "بدا لي واضحاً من دون أي لبس أن كتابي الأول وجدني، نعم، أكتب عن علي، والكتابة أيضاً تفكك غموض أحاسيسي تجاهه". تنجح كوثراني في أن تجعل الخيال مكملاً وفاعلاً في تتبع حياة بطلها، وخصوصاً في الجزء المتصل بعلاقته بخطيبته الأميركية إيما، التي رافقته في رحلة العودة، ثم تركته في المطار وعادت إلى موطنها، في إشارات بالغة الإيحاء والإيجاز، لها دور كبير في دفع الأحداث في الرواية: "منذ اللقاء (الغرامي) الأول خبأ علي رائحة إيما في معطفه"، لذلك كان عليها أن تتخيل لقاءاته معها وسير العلاقة بينهما. وكان لهذا الخيال النشط حضور حين قفزت هدى، ابنة الثالثة والعشرين، الطالبة بالجامعة الأميركية، في قلب السرد، وألهبت خيال علي بجرأتها وتحررها، وأثارت غيرة شيرين، التي كانت ترى في مشروعها الروائي وعلاقتها بعلي ما يمكن أن يكون بديلاً مما تركته وراءها من حياة مستقرة: "هما يتسكعان وأنا أكتب. كيف أعرف بكل ما يفعلانه؟ لديّ كرة سحرية".
الذاكرة الحية للذات لدى الساردة تبقي تفاصيل طفولتها، حبها لعلي، وعشقها للشاعر الراحل رمزي خير بطلاً لمشروعها الروائي، لكنها تبدله بسيرة علي، الذي تلتقيه في الشارع، وتتعرف الى ملامحه بعد أكثر من 22 عاماً على هجرته واختفائه. تجده على حاله، خجولاً، منطوياً، كأن الهجرة والمنفى والإختلاط الحضاري الواسع لم تؤثر فيه، أو تغير من طباعه، بل زادته خجلاً على خجل: "ليتني أستطيع أن أتقمص دوراً تقليدياً لرجل أربعيني يعطي نفسه لامرأة تخطط لأن تكون طائشة".
تريد هالة كوثراني في لعبتها السردية أن تدلل على الولع بالكتابة، وأن تلمس وتحلل مفاهيم عديدة متغايرة، منها مفهوم الحب لدى الشرق من خلال علي، ومفهومه في الغرب ونظرته الى الشرقي من خلال إيما، كذلك فكرة الثأر المهيمنة على هدى للنيل من خطيبها الذي تركها وتزوج صديقتها، ودفعها إلى حافة الخطر والجنون. تحيي الماضي إلى جانب الحاضر من خلال الرحلات اليومية مع علي إلى بيته في القرية بالجنوب، وترصد زمن الحرب في لبنان، الذي دفع بالكثيرين إلى الهجرة، ولعبة السياسة السائدة بألاعيبها الملتوية، وما تتركه من جراح في الروح. هذا كله في لغة موجزة، مقطرة، مستفيدة من أساليب التواصل العصري السريع وتقنياته، في رسم سيناريو العلاقات بين الأشخاص واكتشاف تشابكها، وتقاربها وتباعدها على اختلاف مستويات السرد، حيث للكتاب مكانته الآسرة، والشغف بالكتابة الى درجة الولع من خلال الدور الذي تلعبه المكتبة في التعارف بين الشخصيات، وخلق عوالم ثرية لها.
تعلو وتيرة السرد وتهدأ وفق الحالات المزاجية المسيطرة على شيرين أو هدى، الى أن يحل يوم الأربعاء الأخير في الرواية، ليقرر علي البقاء في لبنان، وعدم العودة إلى نيويورك، بحثاً عن جذوره الضائعة، ومحاولة ريّها من جديد. إمعاناً في الفن، تطلقه هالة كوثراني وتسلمه للإختباء والإختفاء عن شيرين مرة أخرى. فهل كان علي موجوداً بالفعل؟! أم أن الذاكرة الحية النشطة للذات الساردة أوجدته وأحيته حتى تعيش معه حلمها، رواياتها الأولى، ثم تصحو منه، حين تحصره بين دفتي كتاب؟!
أسئلة كثيرة تثيرها هالة كوثراني في روايتها "علي الأميركاني"، تضاف إلى ما أثارته من قبل في روايتيها: "الأسبوع الأخير"، و"استديو بيروت" الصادرتين لدى الناشر نفسه، ووحده القارئ يمكنه أن يكتشف تلك الإجابات ودلالاتها الثرية.
محمد العشري
جريدة النهار
الخميس 1 مارس 2012



