

الكتابة الإبداعيّة هي بحث متواصل عن ذواتنا، وولوج دائم إلى فضاءات أرحب للبوح والتّجلّي، وضيفنا الرّوائيّ المصريّ محمّد العشري يمارس هذا البحث والتّقصّي في فضاءاته الرّوائيّة بصفة خاصّة؛ لأنّها – كما يرى – عوالم رحبة قادرة على امتصاص كلّ اللّحظات الّتي من الممكن التّعبير عنها سرديّا، ممّا جعله يقع في غواية الرّواية بسعادة، ويواصل فعل الكتابة الرّوائيّة بنهم وانتشاء، لأنّ الرّواية عنده فنّ ممارسة الحياة وفهمها والتّعبير عن تفاصيلها ، لذلك وصفه بعض النّقّاد بأنّه: "روائيّ شقّ لنا طريقا جديدا في فنّ الرّواية، واتّصل بالتّراث في شكل فنّي جديد، إضافة إلى أنّه يقدّم تجارب غرائبيّة جديدة ومدهشة، ويكتب بأسلوب شعـريّ رائق وجـميل".
صدر لمحمّد العشري خمس روايات هي: "غادة الأساطير الحـالمة" و"نبـع الذّهـب" و"تفّاحة الصّحراء" و"هالة النّور" و"خيال ساخن"، وله مجموعتين قصصيّتين تحت الطّبع، وقد حصد في مشواره الإبداعي أربعة جوائز أدبيّة، أوّلها جائزة " نادي القصّة في الرّواية لعام 1999"، ثم جائزة "الهيئة العامة لقصور الثقافة في الرواية لعام 2001"، وجائزة "إحسان عبد القدّوس في الرواية لعام 2008" ، وأخيرا، جائزة "وكالة اسفنكس في أدب العشق في القصّة القصيرة بدورتها الأولى لعام 2009"، التقيته بالمجلس الأعلى للثّقافة بالقاهرة، وكان معه الحـوار التّالي:
* أستاذ محمّد لنبدأ بالحديث عن البدايات باعتبارها محطّات بارزة يستحضرها المبدع في مشواره الإبداعي وقد تساهم في صياغة ملامح إنتاجه الراهن بشكل أوبآخر؟
- بدايتي كانت مع الفنّ التشكيلي منذ الطفولة وحتى المرحلة الجامعيّة، ثمّ اتجهت لكتابة الشعر ومنه إلى القصة القصيرة وانتهيت إلى كتابة الرواية. والحقيقة أنّني وجدت في الرواية متّسعا وقدرة على استيعاب كلّ الأشكال الإبداعية الأخرى؛ ممّا جعلني أقع في غوايتها بمنتهى السّعادة، ربّما كان هذا هو السّبب في حرصي على الاستمرار في كتابة ونشر الرواية حتى الآن، ورغم ممارستي للكتابة النقديّة من وقت لآخر وكتابة القصّة القصيرة، إلا أنني أعتبر تلك الكتابات هي بمثابة "بروفات" أو تهيئة للدخول في رواية جديدة.
* أفهم من كلامك أنّ تركيزك على الكتابة الروائية سببه عجز القصة القصيرة عن الاستفادة من الفنون الأخرى وطبيعتها الضيقة والمختزلة بعكس الرواية ذات الآفاق الأرحب سردّيا وزمنيّا؟
- حقيقة أنا مهتمّ بالتراث الشرقي والاتكاء على الأساطير وهذا يناسبه أكثر الوعاء الروائي، بينما القصة القصيرة هي لحظة سرديّة غير ممتدة؛ ولا يمكن تحميلها أكثر ممّا تحتمل، أمّا الرواية فهي فضفاضة وأكثر اتساعا؛ ويمكن صهر الإبداع في داخلها على مدى أوسع، ويمكن تجريب العديد من الأساليب والأشكال السردية دون أن يخلّّ ذلك بالبناء الروائي العام، لأنّ الرواية معمار يتّسم بالصّلابة والقدرة على امتصاص كل اللحظات التي من الممكن التعبير عنها سرديّا أوتشكيليّا أونقديّا؛ أو بأي أوجه الإبداع المختلفة، "فالرّواية امرأة آسرة؛ إن وقعت في غوايتها لا يمكن أن تبرحها أو تبتعد عنها".
* إذا كانت معظم دور النشر تركز على نشر الأعمال الرّوائيّة وكذلك تحرص المؤسسات الثقافية على رصد الجوائز المختلفة لهذا الجنس الأدبي؛ فهل معنى هذا أن القصة القصيرة اليوم في أزمة؟
- في رأيّ أنّ القصّة القصيرة ليست عربيّة خالصة؛ لكنّها وفدت إلى الشرق مع فترات المدّ الاشتراكي من الاتحاد السوفيتي السّابق وغيره من دول أوروبا الشرقيّة، لذلك فلا غرابة أن يتذبذب أو يتراجع دور القصّة القصيرة اليوم؛ لأنها تراجعت أيضا في بيئتها التي وفدت منها؛ وربّما تكون مقولة إنّنا نعيش في زمن الرواية صحيحة إلى حدّ ما، بسبب ترويج دور النشر لذلك الجنس الأدبي على حساب القصّة والشعر، وأيضا ظهور جوائز عربيّة ذات قيمة ماليّة كبيرة ممّا أغرى الكثيرين بكتابة الرواية، خاصة مع انتشار الأشكال السّرديّة الجديدة، وغياب النقد التقييمي، هذه العوامل كلها جعلت وضع كلمة "رواية" على غلاف أعمال كثيرة لا ترقى لأن تصبح رواية ظاهرة لافتة تستحق التوقف والإنتباه.
* ما أسباب غياب النقد التقييمي برأيك؟
- أصبح النقد السّائد الآن هو نقد انطباعيّ يمارسه الصّحفيّون أو الكتّاب أنفسهم، نتيجة لتراجع دور الناقد وغياب الأدوات النقدية العصرية التي تتناسب مع الكتابة الجديدة، بمعنى أنّ معظم الكتّاب والروائيين أصبحوا أكثر قدرة على التعامل والإستفادة من تقنية الاتصالات الحديثة والمخترعات الجديدة، وهو ما يحتاج بالضّرورة لناقد على وعي وإلمام معرفي بتلك المتغيّرات العصريّة، وهذا يتطلب وجود نقّاد شباب، وهم موجودون بالفعل، لكنّ عددهم قليل، لا يتناسب مع كمّ الإبداع المطروح، ممّا وسّع الهوّة بين النقد والإبداع، وساهم في نشر النقد الإنطباعي غير المتخصّص.
* في هذا السياق أيضا، هل تتّفق مع الرّأي القائل إنّ معظم النقاد يركزون على تناول الأعمال الروائية بالنقد والتحليل أكثر من القصة القصيرة؟
- أعتقد أنّ الّنقّاد يمارسون ذلك نتيجة لكثرة الإصدارات الروائية، وإصرار دور النشر على تصدير الرواية في الواجهة، هذا السبب الأول في جعل النقد أكثر تركيزا على الرواية، وحتى لو قسنا الأمر من ناحية كمّ الإصدارات لوجدنا أنّ الإنتاج الروائي أكثر من الإنتاج القصصي، فمثلا لو قلنا إنّه في مقابل كل مائة رواية تصدر سنجد خمس مجموعات قصصّية فقط، هذا الأمر جعل من الطبيعي أن يكون التركيز من قبل النقّاد منصّبا على الرواية، خاصة أنّ الرواية اليوم أصبحت أكثر تنفيسا ودخولا في البوح بتجلياته الاجتماعيّة والسياسيّة، أي أنّها تلبيّ احتياج القارئ لرؤية أمور مجتمعيّة متعدّدة قد لا يستطيع رؤيتها أوالتّصدّي لها في الواقـع.
* في رصيدك الآن أربعة جـوائز أدبية، فماذا تعني لك الجـوائز؟
- الجوائز بالتّأكيد تضع علامة على العمل، وتدفع إلى مزيد من الزخم، والرغبة في التجويد، ومزيد من النور ممّا يوسّع دائرة القراءة، أوالمفروض أن يكون كذلك. الجائزة حين تأتي في وقت مبكر مع البدايات، تكون مشجعة، ومحفزة لمزيد من الكتابة، لكنها تستلزم الكثير من الوعي للنجاة من تأثيرها، لأنّ أخطر ما فيها أن توجّه الكتابة إلى اتجاه يرضي ذائقة المحكّمين، وهو فخّ يقضي على الكثير من المواهب، ويبعدها عن الصدق الفني، ويجعلها تدور في نفس الحلقة، وربّما يدفعها بعيدا عن معايشة ذاتها الحقيقية. ما أنجاني منها تجربتي الذاتية، والخروج إلى فضاء الصحراء الشاسع، فمهما كتبت عنه يمكنني أن ألتقط أشياء جديدة في كلّ مرّة.
* كيف ترى المشهـد السّردي الراهـن في مصر؟
- هناك أعمال روائيّة وقصصيّة لافتة تستحق الإهتمام النقدي لكنها تمرّ عابرة دون أن يتوقف أمامها ناقد أوحتى صحفي، وفي المقابل هناك الكثير من الأعمال الأخرى تجد من يروّج لها في أماكن كثيرة، على الرغم من أنها أقل في الإمكانيات السّردية، وهذا معناه أننا أمام مشهد عشوائي، يسيطر على الحياة الإبداعيّة في مصر، وهومشهد اكتسبته الثقافة من عشوائية المجتمع في الوقت الحالي، أي أنها منظومة شاملة يشدّ بعضها بعضا، باستثناء بعض الإضاءات النقدية التي ترصد وتحلل وتقيّم الإبداع، ومن هؤلاء نقاد شباب مثل الدكتور يسري عبد الله والدكتور حسام عقل والدكتور عادل ضرغام وغيرهم، وهم مع غيرهم لا يسدّون حاجة الإبداع إلى النقد والتقييم الموضوعي.
* ماذا أضافت التطورات التقنيّة الحديثة في وسائل الاتصال وتبادل المعلومات للإبداع الأدبي على صعيد النشر والتواصل بين الكاتب والقراء؟
- انتشار وسائل الإتصال الحديثة مثل المنتديات على شبكة الإنترنت والمدونات والفيس بوك ساهمت إلى حد كبير في التواصل بين المبدعين وفتحت نافذة أوسع للتواصل الحي مع القارئ، إضافة إلى سهولة التواصل مع الجرائد والمجلات في بلدان متباعدة، كل ذلك ساهم في انتشار الكتاب وترويجه وإحياء القراءة من جديد بين جيل الشباب، وهو وجه إيجابي من أوجه الإستفادة من تلك التكنولوجيا، لأنني على قناعة تامة أن التفكير العلمي والإستفادة من العلم مهمّ جدّا حتى بالنسبة لكتابة الأدب، وأعتقد أنّ المخيلة الأدبيّة دائما تسبق المخيلة العلمية، وتفتح آفاقا واسعة أمام العلماء، ممّا يجعل الإستفادة المتبادلة ما بين الأدب والعلم "وسائل الاتصال الحديثة" أمرا مهمّا، ويمثل علاقة جذريّة متأصّلة بينهما، فكلاهما يدفع بالآخر نحوتحقيق صور أفضل وأنفع للإنسان. وفيما يتعلق بالتواصل بين الكتّاب والقرّاء فقد أصبح بإمكان الكاتب أوالمبدع اليوم نشر عمله على شبكة المعلومات الدولية "الإنترنت"، والوصول إلى القارئ في لحظات دون انتظار دور النشر وتعقيداتها الطويلة.
* هل أنت مطّلع على المشهد الثقافي في ليبيا؟
- بداية، لديّ رواية ترتبط ارتباطا مباشرا بالمجتمع والصّحراء الليبّية وهي رواية "تفاحة الصّحراء"، لأنّها في الكثير من أحداثها تتكأ على أحداث الحرب العالمّية الثانية "تحديدا عام 1942" التي دارت في الصّحراء الغربيّة، ابتداءا من المغرب وتونس مرورا بليبيا، ثم انتهائها في الصحراء المصرية، ممّا جعلني أعكف فى المرحلة البحثية قبل كتابة الرواية على القراءة عن الصّحراء الليّبية وخصائص المجتمع الليبي فى تلك الفترة، وفى داخل الرواية هناك بعض الشخصيات الليّبية التى لها دور فعال في البناء الروائي. غير ذلك، وعلى صعيد المشهد الثقافي الليبي، فأنا أتابع الكثير من الكتابات الإبداعيّة لأجيال مختلفة من الكتّاب في ليبيا، مثل كتابات إبراهيم الكوني وأحمد إبراهيم الفقيه وصالح السنوسي وأحمد الفيتوري ومحمد الأصفر وغيرهم من الكتّاب والمبدعين الليبيين سواء من الرّعيل الأول أومن جيل الشباب، أيضا كتبت عن رواية "سريب" لأحمد الفيتوري قراءة نقديّة، كما أنني نشرت بعضا من نصوصي الأدبّية في مجلة "الثقافة العربية"، وأجرت بعض الصّحف الليبية حوارات معي في السّنوات الماضية.
































