خطة تحديث مصرالمشروع واضح الملامح، يحتاج فقط إلى من يأخذه على عاتقه، ويتحمس له. تعتمد الخطة على تعمير جزء من الصحراء الغربية، يكون قريباً من حقول الغاز الطبيعي، لتزويده بالطاقة، يُمد إليه أنبوب من الماء، يُربط بوادي النيل بشبكة محكمة من المواصلات والاتصالات، هذه الخطة لتهجير أكثر من ثلاثين مليون مواطن مصري لتعمير الصحراء، هي من الخطط العملاقة التي تعتمد على فكر ورؤية مستقبلية للنهوض بمصر، يجب الالتفاف حولها كمشروع وهدف، تتبناه كل الأجهزة المعنية، ومن الممكن إنشاء جهاز خاص بها، أو حتى وزارة منوطة بتنفيذها.المكان الصحراوى المقترح، يقع في المنطقة الواقعة شمال الصحراء الغربية، التي يحدها البحر الأبيض المتوسط من الشمال، وجرف منخفض القطارة وواحة سيوة من الجنوب، لأنها أفضل المناطق التي يمكن النظر في تعميرها، بسبب اعتدال مناخها، انبساط تضاريسها، قربها من مصادر الطاقة ومركز العمران. تبلغ مساحة هذه المنطقة حوالي 40 ألف كيلو متر مربع، لو ترك نصفها بلا استخدام كمحمية طبيعية، وحجز نصف الباقي للمناطق الصناعية والمنشآت العامة، والنصف الآخر للإسكان لأمكن استيعاب كل مصانع مصر القائمة بوادي النيل بعد نقلها إليها وتحديثها، وعدد مماثل من المصانع الجديدة، ولأمكن إسكان عشرات الملايين من العاملين فيها، أو ممن سيقومون بالأعمال المكملة وعائلاتهم. بطبيعة الحال فإن المنطقة ستحتاج إلى تزويدها بالمياه العذبة، عبر أنبوب يُمد من النيل، لنقل ما يُعطي كل ساكن بها ما يساوي مئة متر مكعب في السنة، وهذا سيكون أفضل استخدام للمياه، التي يمكن ترشيدها، لأن مردودها سيكون أكبر بكثير من أي مياة تُنشر اليوم في استصلاح الأراضي الزراعية المنخفضة الجودة، التي نقوم بها اليوم.بالفعل إذا أمكن تنفيذ هذا المشروع القومي الكبير، سيتغير وجه مصر كلياً، سيصبح وادي النيل روضة محفوظة للزراعة، والصحراء روضة صناعية، سيزيد رونقها لو أننا رتبنا أن يكون إسكان الناس فيها في تجمعات مخططة تخطيطاً جميلاً، توضع عن طريق مسابقة بشروط تُبعد المقاولين، ومدرسة المعمار المصرية السائدة اليوم، حتى يكون هناك أمل في أن تتفادى هذه التجمعات الجديدة مشاكل مدننا القائمة، فتختفي المكروفونات وتحجز معظم الشوراع للمشاة، يكون الإسكان جميلاً ورخيصاً، في حدود إمكانيات العمال وصغار الموظفين، كافياً لحاجاتهم.بطبيعة الحال فإن تكاليف تنفيذ هذا المشروع القومي الضخم ستكون كبيرة جداً، على أن عائده سيكون كبيراً أيضاً، سيعطي الزراعة دفعة هائلة، سينقل الصناعة نقلة كبيرة نحو الكفاءة والحداثة، سيحسن من البيئة، يرفع نوعية حياة الإنسان، ويزيد من كفاءة المواصلات والاتصالات، بالإضافة إلى أنه سيفتح الآفاق لمستقبل أفضل للأبناء، بتوسيع الاقتصاد لصالح الأغلبية منهم، سيعمر بطريقة مخططة جزءاً كبيراً من بلادهم، كما أنه سيوفر الإنفاق الهائل، الذي يُهدر اليوم في محاولة تحسين أحوال المدن القائمة، عن طريق بناء البنى التحتية لتخفيف الازدحام كأنفاق المترو، شبكات الصرف الصحي الهائلة، الكباري العلوية، والطرق الدائرية، وكلها حلول مؤقتة ما أن ينتهي العمل فيها، حتى تبدأ مشكلات الازدحام من جديد. كذلك الإنفاق على مشروعات التوسعات الزراعية الأفقية، شق قنوات الري في الصخور، أو في الملاحات، كما هو حادث اليوم في محاولة استصلاح أراض منخفضة الجودة، عالية المنسوب، يحتاج توصيل المياه إليها إلى إنفاق الكثير من المال عليه. كل هذه المليارات من الجنيهات التي تنفق على هذه المشروعات، والتي يمكن أن توجه إليه، بالإضافة إلى مدخرات المصريين الراغبين في أن يكون لهم مسكن صحي ملائم، أموال البنوك التي يمكن أن تمول عملية نقل المصانع القديمة، أو بناء الجديدة منها يمكن أن تكون الخميرة الأولى للتمويل.خطة مبنية على رؤية وقراءة دقيقة في معطيات الواقع، من دراسة تاريخية عميقة، ضَمّنها في ثلاثة ملفات في كتابه «مصر المستقبل»: الملف الأول يتعلق بالصحراء، الاستخدام الأمثل لمواردها، وطرق تعميرها، الملفان الثاني والثالث بمصدري المياه والطاقة في مصر، طرق الاستفادة منهما والحفاظ عليهما. فمن اللافت للنظر أن تكون مصر هي الدولة الوحيدة من بين دول الشرق الأوسط، التي تجمعت لديها أهم عناصر التنمية، مع ذلك فهي أفقر هذه الدول في نوعية حياة أبنائها، أو دخل الفرد فيها.حالة الشرق الأوسط هي من الحالات الفريدة، النادرة في التاريخ الإنساني، من حيث إنها تعتبر الحالة الأولى، التي لم يسهم اكتشاف منابع الطاقة فيها في قيام حضارة فيها، أو حتى على نشوء آلية مبادرة ولو متواضعة، يمكن أن تضيف شيئاً للذات الإنسانية، على طول التاريخ كانت الحضارة تنتقل حيث توجد الطاقة، التي كانت – ولا تزال – تشكل العنصر الأساسي لاستمرارها. فقد ظهرت الحضارة في أولها في أحواض الأنهار الكبرى المعتدلة المناخ، التي زودتها الطبيعة بالطاقة اللازمة لإيصال الماء إلى سهول فيضاناتها، ثم انتقلت إلى الجبال، حيث الأشجار الباسقة التي استغلها ساكنوها في صناعة المعادن، ثم إلى سهول أوروبا حيث وُجد الفحم الحجري، ثم إلى الولايات المتحدة حيث اكتشف البترول، ولا زال زمام الحضارة في يدها على الرغم من نضوب بلادها منه بسبب قدرتها على ضمان وصوله إليها من منابعه، على الأخص من منطقة الشرق الأوسط.ويشهد العالم اليوم ومنذ أقل من العقد نقلة حضارية أخرى في مصادر الطاقة، التي أصبحت اليوم أكثر تنوعاً، لم يعد البترول يمثل أكثر من ٪40 من احتياجات العالم من الطاقة، بعد أن كان يمثل أكثر من ضعف هذه النسبة منذ أقل من ثلاثين سنة مضت، وكاد ينحصر استخدامه في تسيير السيارات والطائرات والبواخر. أما المصادر الأخرى التي أصبحت تستخدم اليوم على مقاييس واسعة، هي الغاز والطاقة النووية، بعض المصادر غير التقليدية، المتجددة، التي ما زالت بلاد العالم الصناعي تملك زمامها. إننا في حاجة إلى حملة واسعة تؤازر هذا المشروع النهضوي، الهادف إلى تحديث خريطة مصر في العصر الحديث، والنهوض بحياة أبنائها، تبرزه بكل السُبل كل جميع المستويات، تدخله إلى حيز التنفيذ.فمَن يبدأ بحمل مشعل الحضارة الحديثة في مصر؟!
محمد العشري - مصر



































