محمد العشري: العمل الأدبي وُجد لتبسيط العلم والكاتب يكتب في رواية واحدة طوال حياته
صاحب رواية "خيال ساخن" الحائزة على جائزة إحسان عبدالقدوس تحدث لـ" السياسة ":
أعمالي تدور في الصحراء لإحساسي بها كشاعر وفنان وقاصبعد ارتفاع العائد المادي للجوائز أصبحت الرواية مرتبطة بالسعي وراء الجوائز وليس من أجل الإبداعالقاهرة - أحمد أمين: يمتلك الروائي محمد العشري اسلوباً خاصاً في الكتابة حيث يتعامل مع الادب كوسيلة يقدم من خلالها نظرياته وابتكاراته العلمية وهو ما اكسبه تميزا خاصا وسط ابناء جيله ويؤكد ذلك حصوله على الكثير من الجوائز الادبية كان اخرها جائزة احسان عبد القدوس للرواية وذلك عن روايته الاخيرة "خيال ساخن" التي تعد اول عمل ادبي يصدر في ثلاث طبعات مشتركة بين بيروت والقاهرة والجزائر...
"السياسة" ناقشته حول اصداره الاخير في الحوار التالي: جاءت روايتك الاخيرة "خيال ساخن" بعد اعوام من رواية "هالة النور" التي سبقتها, ترى ما الاسباب?
رواياتي الاربع السابقة لهذه الرواية هي "غادة الأساطير الحالمة" و"نبع الذهب" و"تفاحة الصحراء" و"هالة النور" قمت بنشرها في سنوات متقاربة فأكتشفت أن النشر بشكل متقارب لا يعطي فرصة للمتابعة لذلك تأخرت في نشر رواية "خيال ساخن" لماذا تقدمت بهذه الرواية لجائزة احسان عبد القدوس رغم الاختلاف الجذري بين عالمك مع عالمه? جاء ذلك بالصدفة, حيث إنني انتهيت من كتابتها ولم انشرها بعد وكان من ضمن شروط التقدم للجائزة ان تكون مخطوطة فتقدمت بها كاختبار لي لان عالمها مختلف عن عالم احسان عبد القدوس ولذلك سعدت جدا بحصولي على المركز الاول رغم هذا التباين।
من يتابع اعمالك لابد وان يجدك فيها, واحيانا يمتهن البطل عملك نفسه?
ارى ان الكاتب طوال حياته يكتب في رواية واحدة ويظل على مدار اعماله يحاول تجويد هذه الرواية لذلك تجدني موجودا بدرجة او بأخرى في رواياتي الخمس وتحديدا في الاعمال الخاصة بالصحراء, فانا احاول ان استفيد من جو العمل وتسخيره في الابداع علاوة على اهتمامي بتقديم الصحراء المصرية للقارئ والاستفادة من العلم ومحاولة تطبيقه بشكل روائي, فمثلا في رواية "هالة النور" حاولت من خلالها الوصول الى نظرية حديثة في العلم من خلال الأدب كان السؤال المطرح فيها ما البديل لمصدر الطاقة? ولكي اجيب على هذا السؤال كان لابد ان يكون البطل جيولوجياً وعلمياً وهو شيء منطقي وليس اقحاما لعملي।
من الاشياء التي ارتبطت بعالمك الروائي وجود النظريات العلمية اساسياً وهو مالم نلحظه دائماً في ثنايا الادب العربي?
بالفعل هذا النص غير منتشر في الرواية العربية وان كان موجودا في الرواية العالمية وهو ما اشار اليه عدد من النقاد عن الجوانب العلمية في اعمالي والسبب وراء ذلك انني اسعى دائما الى تبسيط العلم داخل العمل الادبي بحيث يفهم القارئ النظريات العلمية المعقدة بجمل وكلمات بسيطة لان العلم هو الذي يجعلنا نفهم ما يحيط بنا وما يدور حولنا فأنا لا اكتب بهدف تسلية القارئ بل ازوده بالعلم من خلال رحلته مع شخصيات رواياتي। ما اهم النظريات العلمية التي قدمتها من خلال رواياتك? لقد توصلت الى نظرية جديدة وهي ان مصدر الطاقة البديل هو الرمل النقي ولم اذهب لتسجيل ذلك في مراكز البحث العلمي بل جعلت من اعمالي الروائية مكانا لتدوين اكتشافاتي العلمية। لكن رغم اهتمامك بالعلم تهتم بالاساطير والخيال, الا يعد ذلك تناقضا?
الاساطير لدي ليست مرتبطة بالخرافات او للتسلية كما يظن البعض ولكنها مرتبطة بالوعي وهي نوع من محاولة الوصول الى نظرية جديدة يمكن ان يستفيد منها العلماء وبالنسبة للخيال فكما هو معروف يعمل على تشكيل العوالم واغلب الاختراعات بدأت بالخيال।
ارتبطت الصحراء منذ سنوات طويلة بالشعر الا انك استطعت ان تجعلها مرتبطة بالعمل الروائي?
ما لا يعرفه الكثيرون انني بدأت حياتي الادبية شاعراً وفناناً تشكيلياً ثم اتجهت للقصة القصيرة الى ان وجدت ضالتي في الرواية وبالتالي احساسي بالصحراء هو احساس الشاعر الفنان لان الصحراء تجعلك تسمع نفسك جيدا وتعطيك مساحة من التأمل।
دائما تسيطر الاسئلة على عالمك الروائي, لماذا?
العلم كما هو معروف يبدأ بالاسئلة وانا اعمل جيولوجياً واعتقد ان عقليتي العلمية فرضت علي اتباع هذا المنهج في اعمالي الادبية, فمثلا في رواية "خيال ساخن" كان هناك سؤال فلسفي يدور حول النصف الاخر بالنسبة لكل منا فطوال الرواية نجد بطلة العمل تظل تبحث عن نصفها الاخر حيث اطرح فكرة ان الانسان مخلوق بنصف روح ويظل يبحث عن النصف الاخر طوال حياته وقد يجده وقد لا يجده وكما اشار بعض النقاد الى ان ذلك يعتبر الى حد ما نظرة صوفية ترى ان الانسان يسعى للكمال بالبحث عن النصف المفقود فيه, وفي رواية "هالة النور" كان السؤال عن المصدر البديل للطاقة।
كانت هناك صدمة للقارئ عندما اشرت من خلال رواية "خيال ساخن" ان المصريين كانوا ضحية النيل رغم ايمانهم الأكيد بأن مصر هبة النيل?
هدوء النيل وانسيابه جعل الانسان المصري في حالة هدوء وسكون وقلل من سعيه وعزيمته ولو لم يكن النيل موجودا لسعى لتعمير الصحراء وخرج من الشريط الضيق الذي يكاد ان يموت فيه بسبب زيادة السكان ولا يوجد حل سوى ما طرحه العالم الجيولوجي الدكتور رشدي سعيد من خلال خطته لتحديث مصر بتفريغ وادي النيل من المنشآت الصناعية والخروج بها الى الصحراء الغربية بكل مفرداتها وان يقتصر النيل على الزراعة।
الصدق يكاد يكون من اهم سمات رواياتك, فما السر وراء ذلك?
ربما لان رواياتي مرتبطة بتجاربي التراثية والخيالية واعتقد انه كلما كانت التجربة الحياتية ثرية كلما كان العمل الادبي ثريا وقد تدفعني هذه التجربة الى ان اغامر بحياتي من اجل كتابة عمل ادبي وقد حدث ذلك بالفعل عندما غامرت بنفسي بالسير في منطقة "العلمين" رغم انها مليئة بالالغام وغير مسموح الا بالمرور في ممرات معينة, لكنني غامرت وتجاوزت هذه الممرات وكان الاحساس بالموت في اي لحظة يخالجني لكنني لم اعبأ بذلك في سبيل تحقيق هدفي بأن اكتب روايتي فقد كنت في حاجة الى اكتشاف الاماكن التي سأكتب عنها ولم اكتف بما قرأته او سمعته وعرفته من البدو।
لماذا اخذتك الرواية رغم اجادتك للرسم وللقصة القصيرة التي حصلت فيها من قبل على جائزة ادبية?
لقد وجدت في الرواية ضالتي الحقيقية فهي بالفعل مثل المرأة الآثرة من يقع في عالمها لا يستطيع ان يخرج منها فالرواية عالمها فضفاض ومليئة بكل الوان الابداع.
كيف ترى الرواية في الوطن العربي?
هناك تجارب روائية راسخة استطاعت ان يكون لها بصمة ولكن في الوقت نفسه ومع كثرة الجوائز العربية وارتفاع قيمتها المالية المخصصة للرواية تحول الشعراء الى روائيين ولم يعد السعي اليها من اجل الابداع بقدر ما هو مرتبط بالحصول على الجوائز والشهرة الاعلامية وايضا كنوع من الاستسهال رغم انها ليست كذلك, فالرواية لا يجب ان تكتب الا بتجربة حياتية ثرية حتى ان احد النقاد الغربيين قال ان الرواية لا تكتب الا بعد سن الاربعين ولكنها لدى الكثيرين قد تحولت الى نوع من الكتابة الصحافية التي تعتمد على نقل صورة المجتمع او ما يطلق عليه ب¯»الواقعي القذرة« في الادب في حين ان العمل الروائي الحقيقي لابد ان يكون به سمة جمالية
عملك المقبل?
انا بصدد اصدار رواية بعنوان "تاميس ॥ رائحة ايام منسية" التي سوف تصدر في بيروت و"تاميس" هذه مدينة فرعونية قديمة غارقة في بحيرة المنزلة بالوجه البحري شمال مصر حيث الحكايات والاساطير المرتبطة بالمكان مع الاستفادة من مرحلة طفولتي في الكتابة كما يسيطر عليها الجانب الاسري والعائلي فهي الى حد ما نوع من السيرة الذاتية الخاصة.