الثلاثاء، يناير 26، 2010

نعيش في زمن الرواية



محمد العشري: نحن نعيش في زمن الرواية

القاهرة- خالد خميس السحاتي

الكتابة الإبداعيّة هي بحث متواصل عن ذواتنا، وولوج دائم إلى فضاءات أرحب للبوح والتّجلّي، وضيفنا الرّوائيّ المصريّ محمّد العشري يمارس هذا البحث والتّقصّي في فضاءاته الرّوائيّة بصفة خاصّة؛ لأنّها – كما يرى – عوالم رحبة قادرة على امتصاص كلّ اللّحظات الّتي من الممكن التّعبير عنها سرديّا، ممّا جعله يقع في غواية الرّواية بسعادة، ويواصل فعل الكتابة الرّوائيّة بنهم وانتشاء، لأنّ الرّواية عنده فنّ ممارسة الحياة وفهمها والتّعبير عن تفاصيلها ، لذلك وصفه بعض النّقّاد بأنّه: "روائيّ شقّ لنا طريقا جديدا في فنّ الرّواية، واتّصل بالتّراث في شكل فنّي جديد، إضافة إلى أنّه يقدّم تجارب غرائبيّة جديدة ومدهشة، ويكتب بأسلوب شعـريّ رائق وجـميل".

صدر لمحمّد العشري خمس روايات هي: "غادة الأساطير الحـالمة" و"نبـع الذّهـب" و"تفّاحة الصّحراء" و"هالة النّور" و"خيال ساخن"، وله مجموعتين قصصيّتين تحت الطّبع، وقد حصد في مشواره الإبداعي أربعة جوائز أدبيّة، أوّلها جائزة " نادي القصّة في الرّواية لعام 1999"، ثم جائزة "الهيئة العامة لقصور الثقافة في الرواية لعام 2001"، وجائزة "إحسان عبد القدّوس في الرواية لعام 2008" ، وأخيرا، جائزة "وكالة اسفنكس في أدب العشق في القصّة القصيرة بدورتها الأولى لعام 2009"، التقيته بالمجلس الأعلى للثّقافة بالقاهرة، وكان معه الحـوار التّالي:

* أستاذ محمّد لنبدأ بالحديث عن البدايات باعتبارها محطّات بارزة يستحضرها المبدع في مشواره الإبداعي وقد تساهم في صياغة ملامح إنتاجه الراهن بشكل أوبآخر؟
- بدايتي كانت مع الفنّ التشكيلي منذ الطفولة وحتى المرحلة الجامعيّة، ثمّ اتجهت لكتابة الشعر ومنه إلى القصة القصيرة وانتهيت إلى كتابة الرواية. والحقيقة أنّني وجدت في الرواية متّسعا وقدرة على استيعاب كلّ الأشكال الإبداعية الأخرى؛ ممّا جعلني أقع في غوايتها بمنتهى السّعادة، ربّما كان هذا هو السّبب في حرصي على الاستمرار في كتابة ونشر الرواية حتى الآن، ورغم ممارستي للكتابة النقديّة من وقت لآخر وكتابة القصّة القصيرة، إلا أنني أعتبر تلك الكتابات هي بمثابة "بروفات" أو تهيئة للدخول في رواية جديدة.

* أفهم من كلامك أنّ تركيزك على الكتابة الروائية سببه عجز القصة القصيرة عن الاستفادة من الفنون الأخرى وطبيعتها الضيقة والمختزلة بعكس الرواية ذات الآفاق الأرحب سردّيا وزمنيّا؟
- حقيقة أنا مهتمّ بالتراث الشرقي والاتكاء على الأساطير وهذا يناسبه أكثر الوعاء الروائي، بينما القصة القصيرة هي لحظة سرديّة غير ممتدة؛ ولا يمكن تحميلها أكثر ممّا تحتمل، أمّا الرواية فهي فضفاضة وأكثر اتساعا؛ ويمكن صهر الإبداع في داخلها على مدى أوسع، ويمكن تجريب العديد من الأساليب والأشكال السردية دون أن يخلّّ ذلك بالبناء الروائي العام، لأنّ الرواية معمار يتّسم بالصّلابة والقدرة على امتصاص كل اللحظات التي من الممكن التعبير عنها سرديّا أوتشكيليّا أونقديّا؛ أو بأي أوجه الإبداع المختلفة، "فالرّواية امرأة آسرة؛ إن وقعت في غوايتها لا يمكن أن تبرحها أو تبتعد عنها".

* إذا كانت معظم دور النشر تركز على نشر الأعمال الرّوائيّة وكذلك تحرص المؤسسات الثقافية على رصد الجوائز المختلفة لهذا الجنس الأدبي؛ فهل معنى هذا أن القصة القصيرة اليوم في أزمة؟
- في رأيّ أنّ القصّة القصيرة ليست عربيّة خالصة؛ لكنّها وفدت إلى الشرق مع فترات المدّ الاشتراكي من الاتحاد السوفيتي السّابق وغيره من دول أوروبا الشرقيّة، لذلك فلا غرابة أن يتذبذب أو يتراجع دور القصّة القصيرة اليوم؛ لأنها تراجعت أيضا في بيئتها التي وفدت منها؛ وربّما تكون مقولة إنّنا نعيش في زمن الرواية صحيحة إلى حدّ ما، بسبب ترويج دور النشر لذلك الجنس الأدبي على حساب القصّة والشعر، وأيضا ظهور جوائز عربيّة ذات قيمة ماليّة كبيرة ممّا أغرى الكثيرين بكتابة الرواية، خاصة مع انتشار الأشكال السّرديّة الجديدة، وغياب النقد التقييمي، هذه العوامل كلها جعلت وضع كلمة "رواية" على غلاف أعمال كثيرة لا ترقى لأن تصبح رواية ظاهرة لافتة تستحق التوقف والإنتباه.

* ما أسباب غياب النقد التقييمي برأيك؟
- أصبح النقد السّائد الآن هو نقد انطباعيّ يمارسه الصّحفيّون أو الكتّاب أنفسهم، نتيجة لتراجع دور الناقد وغياب الأدوات النقدية العصرية التي تتناسب مع الكتابة الجديدة، بمعنى أنّ معظم الكتّاب والروائيين أصبحوا أكثر قدرة على التعامل والإستفادة من تقنية الاتصالات الحديثة والمخترعات الجديدة، وهو ما يحتاج بالضّرورة لناقد على وعي وإلمام معرفي بتلك المتغيّرات العصريّة، وهذا يتطلب وجود نقّاد شباب، وهم موجودون بالفعل، لكنّ عددهم قليل، لا يتناسب مع كمّ الإبداع المطروح، ممّا وسّع الهوّة بين النقد والإبداع، وساهم في نشر النقد الإنطباعي غير المتخصّص.

* في هذا السياق أيضا، هل تتّفق مع الرّأي القائل إنّ معظم النقاد يركزون على تناول الأعمال الروائية بالنقد والتحليل أكثر من القصة القصيرة؟
- أعتقد أنّ الّنقّاد يمارسون ذلك نتيجة لكثرة الإصدارات الروائية، وإصرار دور النشر على تصدير الرواية في الواجهة، هذا السبب الأول في جعل النقد أكثر تركيزا على الرواية، وحتى لو قسنا الأمر من ناحية كمّ الإصدارات لوجدنا أنّ الإنتاج الروائي أكثر من الإنتاج القصصي، فمثلا لو قلنا إنّه في مقابل كل مائة رواية تصدر سنجد خمس مجموعات قصصّية فقط، هذا الأمر جعل من الطبيعي أن يكون التركيز من قبل النقّاد منصّبا على الرواية، خاصة أنّ الرواية اليوم أصبحت أكثر تنفيسا ودخولا في البوح بتجلياته الاجتماعيّة والسياسيّة، أي أنّها تلبيّ احتياج القارئ لرؤية أمور مجتمعيّة متعدّدة قد لا يستطيع رؤيتها أوالتّصدّي لها في الواقـع.

* في رصيدك الآن أربعة جـوائز أدبية، فماذا تعني لك الجـوائز؟
- الجوائز بالتّأكيد تضع علامة على العمل، وتدفع إلى مزيد من الزخم، والرغبة في التجويد، ومزيد من النور ممّا يوسّع دائرة القراءة، أوالمفروض أن يكون كذلك. الجائزة حين تأتي في وقت مبكر مع البدايات، تكون مشجعة، ومحفزة لمزيد من الكتابة، لكنها تستلزم الكثير من الوعي للنجاة من تأثيرها، لأنّ أخطر ما فيها أن توجّه الكتابة إلى اتجاه يرضي ذائقة المحكّمين، وهو فخّ يقضي على الكثير من المواهب، ويبعدها عن الصدق الفني، ويجعلها تدور في نفس الحلقة، وربّما يدفعها بعيدا عن معايشة ذاتها الحقيقية. ما أنجاني منها تجربتي الذاتية، والخروج إلى فضاء الصحراء الشاسع، فمهما كتبت عنه يمكنني أن ألتقط أشياء جديدة في كلّ مرّة.

* كيف ترى المشهـد السّردي الراهـن في مصر؟
- هناك أعمال روائيّة وقصصيّة لافتة تستحق الإهتمام النقدي لكنها تمرّ عابرة دون أن يتوقف أمامها ناقد أوحتى صحفي، وفي المقابل هناك الكثير من الأعمال الأخرى تجد من يروّج لها في أماكن كثيرة، على الرغم من أنها أقل في الإمكانيات السّردية، وهذا معناه أننا أمام مشهد عشوائي، يسيطر على الحياة الإبداعيّة في مصر، وهومشهد اكتسبته الثقافة من عشوائية المجتمع في الوقت الحالي، أي أنها منظومة شاملة يشدّ بعضها بعضا، باستثناء بعض الإضاءات النقدية التي ترصد وتحلل وتقيّم الإبداع، ومن هؤلاء نقاد شباب مثل الدكتور يسري عبد الله والدكتور حسام عقل والدكتور عادل ضرغام وغيرهم، وهم مع غيرهم لا يسدّون حاجة الإبداع إلى النقد والتقييم الموضوعي.

* ماذا أضافت التطورات التقنيّة الحديثة في وسائل الاتصال وتبادل المعلومات للإبداع الأدبي على صعيد النشر والتواصل بين الكاتب والقراء؟
- انتشار وسائل الإتصال الحديثة مثل المنتديات على شبكة الإنترنت والمدونات والفيس بوك ساهمت إلى حد كبير في التواصل بين المبدعين وفتحت نافذة أوسع للتواصل الحي مع القارئ، إضافة إلى سهولة التواصل مع الجرائد والمجلات في بلدان متباعدة، كل ذلك ساهم في انتشار الكتاب وترويجه وإحياء القراءة من جديد بين جيل الشباب، وهو وجه إيجابي من أوجه الإستفادة من تلك التكنولوجيا، لأنني على قناعة تامة أن التفكير العلمي والإستفادة من العلم مهمّ جدّا حتى بالنسبة لكتابة الأدب، وأعتقد أنّ المخيلة الأدبيّة دائما تسبق المخيلة العلمية، وتفتح آفاقا واسعة أمام العلماء، ممّا يجعل الإستفادة المتبادلة ما بين الأدب والعلم "وسائل الاتصال الحديثة" أمرا مهمّا، ويمثل علاقة جذريّة متأصّلة بينهما، فكلاهما يدفع بالآخر نحوتحقيق صور أفضل وأنفع للإنسان. وفيما يتعلق بالتواصل بين الكتّاب والقرّاء فقد أصبح بإمكان الكاتب أوالمبدع اليوم نشر عمله على شبكة المعلومات الدولية "الإنترنت"، والوصول إلى القارئ في لحظات دون انتظار دور النشر وتعقيداتها الطويلة.

* هل أنت مطّلع على المشهد الثقافي في ليبيا؟
- بداية، لديّ رواية ترتبط ارتباطا مباشرا بالمجتمع والصّحراء الليبّية وهي رواية "تفاحة الصّحراء"، لأنّها في الكثير من أحداثها تتكأ على أحداث الحرب العالمّية الثانية "تحديدا عام 1942" التي دارت في الصّحراء الغربيّة، ابتداءا من المغرب وتونس مرورا بليبيا، ثم انتهائها في الصحراء المصرية، ممّا جعلني أعكف فى المرحلة البحثية قبل كتابة الرواية على القراءة عن الصّحراء الليّبية وخصائص المجتمع الليبي فى تلك الفترة، وفى داخل الرواية هناك بعض الشخصيات الليّبية التى لها دور فعال في البناء الروائي. غير ذلك، وعلى صعيد المشهد الثقافي الليبي، فأنا أتابع الكثير من الكتابات الإبداعيّة لأجيال مختلفة من الكتّاب في ليبيا، مثل كتابات إبراهيم الكوني وأحمد إبراهيم الفقيه وصالح السنوسي وأحمد الفيتوري ومحمد الأصفر وغيرهم من الكتّاب والمبدعين الليبيين سواء من الرّعيل الأول أومن جيل الشباب، أيضا كتبت عن رواية "سريب" لأحمد الفيتوري قراءة نقديّة، كما أنني نشرت بعضا من نصوصي الأدبّية في مجلة "الثقافة العربية"، وأجرت بعض الصّحف الليبية حوارات معي في السّنوات الماضية.

الخميس، يناير 21، 2010

تانيس


تانيس


محمد العشري

جريدة الحياة
(فصل من رواية تحمل العنوان نفسه وتصدر قريباً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» في بيروت)

خيوط الضوء المرتعشة تصدر عن نجمات بعيدة، تشد عينيه نحوها فيترك لها بصره، لينتقل هنا وهناك، بحثاً في الأرض الواسعة عن ابنه، فتنهمر الدموع من السماء، وتملأ البحيرة والمركب، تملأ أوسع مكان في الكون، تملأ القلب بالحزن والحسرة، ليته يستطيع أن يستمر في البكاء، فها هي البحيرة التي احتوت دموع إيزيس في رحلتها الطويلة بحثاً عن زوجها، فزادت مياهها وانفتحت على البحر لتشق لها طريقاً تمر منه إلى الساحل، لتصل إلى المرفأ البعيد المُغطى بأشجار الأرز في لبنان، لتقف أمام الشجرة الكبيرة التي تخشبت على جذعها قطرات الحزن، والتي تحوي في داخلها رفات أوزوريس.

*

الصراع لم ينته وسعيد لم يعد. أعوام كثيرة مرت وهو لا يدري إذا كان حياً أو قُتل. بحث عنه كثيراً، رابض لفترات طويلة أمام وحدته في الجيش، ينظر في وجوه الخارجين والداخلين، لعله يسمع من أحد عن ابنه. فلم يحصل على إجابة تريحه. أي عذاب يسري في جسده ويتحمله وحده حائراً. قال وجذور الأسى تنبت في وجهه: «أصعب شيء أن تبحث عن الحقيقة ولا تجدها».

لا أحد يعرف. هل مات سعيد؟ هل أسر؟ هل هرب؟ هل ضلّ الطريق في الصحراء بين الأودية والسهول وممرات الجبال الوعرة؟ هل طاله خنجر من هؤلاء البدو الملثمين؟ هل يعود؟ هل...؟

مسح عينيه، أدار وجهه قليلاً، رأى نجماً يقترب. دقق فيه جيداً فازداد نوراً. عيناه لا تحيدان عنه، والمركب يتهادى فوق الماء، والألواح الخشبية تحت ظهره ويداه بدت كمرتبة إسفنجية ضخمة، تحمله تجاه الراحة، لولا تلك المسامير التي تدب بقوة في ظهره وصدره كلما تذكر ولده الغائب. ينتحب بمرارة قائلاً: «ولدي سعيد. روحي التي ذهبت وعيني التي انطفأت. ولدي سعيد. ساعدي الذي بتر ودمي الذي برد. ولدي سعيد، هل تعود؟».

*

وصل إلى «تانيس»، قيّدَ المركب في وتد بالربوة، صعد الممر في نور القمر، دخل والنور يجذبه ويصاحبه من خلال فتحات في الحوائط قريبة من السقف. منظر الحوائط البارزة، النقوش برسوماتها الملونة دائماً تجعله مشدوداً ومأخوذاً بها. أدرك أن وراء ذلك سراً مكنوزاً. حاول كثيراً أن يصل إليه، لم يستطع. بينه وبين نفسه يحس أن روحه معلقة بذلك المكان. فأي رهبة يشعر بها. أي جلال يستشعره كلما أتى إلى هنا. صورة واحدة تطفو إلى ذهنه ولا تبرحه كلما أتى وتظل أمام عينيه لفترة طويلة، أحياناً تمتد حتى يرحل، لكن الذي يقلقه هو أنه كلما رأى تلك الصورة تظل روحه تتذبذب في صدره كبندول ينذر بالخطر، كأنها تستعد للانطلاق فجأة إلى خارج جسده، رغم أن هذه الصورة هي لابنه إبراهيم، إلا أنه لا يدري لماذا ينتابه ذلك الإحساس، فكر كثيراً أن يذهب لشيخ المسجد، يقص عليه ما يؤرقه لعله يجد تفسيراً، يريحه مما هو فيه، لكنه كان يتراجع في كل مرة، ويرجئ الأمر لوقت آخر.

يراه مبتسماً في وجهه. يراه وهو يتجول في شوارع الغربة. وهو نائم. وهو يستذكر دروسه. وهو يأكل. يتخيله في كل أمور حياته وبه رغبة شديدة في أن يجده شاخصاً بين ذراعيه، أن يلمسه بيديه، أن يعانقه، أن يصحبه في شوارع القرية، والناس تنظر إليه بإعجاب وحب، يغمض عينيه على شعور غريب تجاه ولده الغائب. دندن وهو يتجول في «تانيس» على ضوء القمر، والقنديل الصغير الذي يحمله في يده يهز الهواء شعلته، فيتأرجح، يرسم ظله بحجم ضخم على الحوائط. بدا من بعيد كحارس ليلِّي يتجول في مكان حراسته. وفي أقصى البحيرة كانت القناديل الصغيرة التي تحملها المراكب، وهي عائدة أو ذاهبة إلى الأعماق تفرش بقع النور على سطح الماء فتنساب الفضة، تشد الأسماك إليها، فتجدها تتقافز خارجة منه فرحة بنور المشاعل، تصطدم وتتخبط بجوانب المراكب، وأغاني الصيادين تعلو وتملأ الأفق بالفرح.

كثيراً ما كان يقترب منه الصيادون بمراكبهم، فيحيونه، ويحييهم، وأصواتهم تنتقل بسرعة في الماء، فتصل إلى أذنيه، فيسمع الذاهبين يقولون بصوت عالٍ: «يا صاحب «تانيس» أسعد الله مساءك!»، ويسمع العائدين يقولون: «يا راعي «تانيس» أسعد الله صباحك!». ومن آن لأخر ينزلون إليه، يوقدون ناراً، يشوون الأسماك، يأكلونها معه، ويشربون الشاي وهم يستمعون إليه وهو يحدثهم عن تاريخ البيت بحب وفرح.

تلك القصة التي لا يملّ حكيها لكل من يسأله عنها، كأنه عاشها بكل تفاصيلها وأحداثها. يخبرهم أن حوريس حامي الدلتا حين شَبَّ وكبر وعرف ما فعله عمه «ست» الأحمر الكائن في الجنوب تجاه أبيه، والعذاب الذي لاقته أمه في سعيها وبحثها، تحرك إليه عبر النيل وقتله، فأصبح حامي الشمال والجنوب معاً، وعاد يتتبع المسار الذي سلكته الأم، دخل البحيرة من جديد، وضع أساسات «تانيس» فوق جزيرة كبيرة استراحت عليها إيزيس البيضاء في رحلتها الطويلة من قبل، عاشت فيها لفترة. في المكان الذي أخفته فيه وهو رضيع بين الأحراش، جهز فنانيه، توسع في البناء حوله حتى أوجد مدينة كاملة، انتقل للعيش فيها فترة، بعد أن قضى على عمه وأعوانه.

إلى أن غزا الهكسوس وأقام مَلِكَهم «خيان» عاصمته في تلك المدينة التي أسماها «أفاريس»، حتى طردهم أحمس بمساعدة روحية من «أمون رع». وحين طغى موج البحر الأبيض في فترة لاحقة، صب ماءه الزائد عبر فتحة اتصال البحيرة به، وأغرق الكثير من الجُزر، وطمر الكنوز في القاع.

ذلك بعض ما حوته السجلات الرسمية القديمة، وفي الخفاء كانت الحكايات تنتشر عن قصة الغرام المفخخة بالسحر، بين ابن ملك مدينة «صان الحجر»، وابنة ملك «تانيس»، واللقاء كل ليلة لممارسة العشق في غرفة سرية يقبض على مفاتيحها ابن الملك، رغم أن المسافة بين المدينتين تقترب من مئة كيلومتر، مما يستلزم الليالي للسفر والعودة، وهو ما فَعّل دور السحر في طي المسافة، وبسط بساط المحبة في وصل العاشقين

الرابط في جريدة الحياة


الجمعة، ديسمبر 25، 2009

من الصحراء إلى الخلايا الإلكترونية

الروائي المصري محمد العشري

من الصحراء إلى الخلايا الإلكترونية:
قبل سنوات حين كان يتوفر لي السفر إلى الصحراء بشكل دائم، كان مكاني المفضل هو الفضاء الواسع والكتابة وأنا أجلس على حافة الصخر، أتأمل أفكاري وأتبع أحداث وأبطال رواياتي، أطلقهم أمامي وأشاهدهم وقد دبت فيهم الحياة، وانطلقت أرواحهم، لتتحاب وتتصارع، وأتعايش معهم بكل حالاتهم، لأن الصحراء كانت تتيح لي أن أنصت إلى ذاتي بعيداً عن الزحام والمؤثرات الخارجية، بما يجعلني حراً، منطلقاً، منتشياً بلا حواجز أو قيود.
الآن، بعد أن قلّت سفرياتي إلى الصحراء، وتحولت بشكل كامل للكتابة على جهاز الكمبيوتر بشكل مباشر، أصبحت أكتب داخل الخلايا الإلكترونية بتلقائية أفضل من الكتابة على الورق، وهذا يتيح لي أن أكتب في أماكن كثيرة أكون فيها وحدي، بلا أحد يخرجني من الإنصات الكامل إلى ذاتي وأمامي شاشتي، والصفحة البيضاء أمامي في جهاز الكمبيوتر أراها صحراء ممتدة، تفتح لي أفقها، وتطلق أصواتها وحيواناتها وحشراتها لتؤنسني وتصاحبني وأنا أكتب، تماماً مثلما تمنحني الصحراء من فتنة. الشيء القيّم الذي توفره العلاقة الحميمة بجهاز الكمبيوتر أنه نافذة سحرية على أطراف العالم البعيدة، أسمع منها صدى صوتي، وربما تأثيره على ذاتي، لأنه يجعلني أتحرك داخل ما أكتبه بمرونة، مما أتاح لي أكثر من مكان وصحراء وحياة، إضافة إلى سهولة التبديل والتغيير في الكلمات والجمل والمشاهد، مما يمنح حرية أوسع في التعامل مع البناء في الرواية. وهو ما يغذّي الخيال، ويجعله مشتعلاً بالشغف الدائم..

عن أماكن الكتابة- تحقيق مايا الحاج
شارك فيه: عباس بيضون، شوقي بزيع، خاتون سلمى، زاهي وهبي، وفاطمة الشيدي

نُشر اليوم في مجلة لها اللبنانية
عدد 25 ديسمبر 2009

الخميس، نوفمبر 19، 2009

محمد العشري وحوار جديد في جريدة السياسة الكويتية


محمد العشري: العمل الأدبي وُجد لتبسيط العلم والكاتب يكتب في رواية واحدة طوال حياته
صاحب رواية "خيال ساخن" الحائزة على جائزة إحسان عبدالقدوس تحدث لـ" السياسة ":
أعمالي تدور في الصحراء لإحساسي بها كشاعر وفنان وقاصبعد ارتفاع العائد المادي للجوائز أصبحت الرواية مرتبطة بالسعي وراء الجوائز وليس من أجل الإبداع


القاهرة - أحمد أمين: يمتلك الروائي محمد العشري اسلوباً خاصاً في الكتابة حيث يتعامل مع الادب كوسيلة يقدم من خلالها نظرياته وابتكاراته العلمية وهو ما اكسبه تميزا خاصا وسط ابناء جيله ويؤكد ذلك حصوله على الكثير من الجوائز الادبية كان اخرها جائزة احسان عبد القدوس للرواية وذلك عن روايته الاخيرة "خيال ساخن" التي تعد اول عمل ادبي يصدر في ثلاث طبعات مشتركة بين بيروت والقاهرة والجزائر...
"السياسة" ناقشته حول اصداره الاخير في الحوار التالي: جاءت روايتك الاخيرة "خيال ساخن" بعد اعوام من رواية "هالة النور" التي سبقتها, ترى ما الاسباب?
رواياتي الاربع السابقة لهذه الرواية هي "غادة الأساطير الحالمة" و"نبع الذهب" و"تفاحة الصحراء" و"هالة النور" قمت بنشرها في سنوات متقاربة فأكتشفت أن النشر بشكل متقارب لا يعطي فرصة للمتابعة لذلك تأخرت في نشر رواية "خيال ساخن" لماذا تقدمت بهذه الرواية لجائزة احسان عبد القدوس رغم الاختلاف الجذري بين عالمك مع عالمه? جاء ذلك بالصدفة, حيث إنني انتهيت من كتابتها ولم انشرها بعد وكان من ضمن شروط التقدم للجائزة ان تكون مخطوطة فتقدمت بها كاختبار لي لان عالمها مختلف عن عالم احسان عبد القدوس ولذلك سعدت جدا بحصولي على المركز الاول رغم هذا التباين।
من يتابع اعمالك لابد وان يجدك فيها, واحيانا يمتهن البطل عملك نفسه?
ارى ان الكاتب طوال حياته يكتب في رواية واحدة ويظل على مدار اعماله يحاول تجويد هذه الرواية لذلك تجدني موجودا بدرجة او بأخرى في رواياتي الخمس وتحديدا في الاعمال الخاصة بالصحراء, فانا احاول ان استفيد من جو العمل وتسخيره في الابداع علاوة على اهتمامي بتقديم الصحراء المصرية للقارئ والاستفادة من العلم ومحاولة تطبيقه بشكل روائي, فمثلا في رواية "هالة النور" حاولت من خلالها الوصول الى نظرية حديثة في العلم من خلال الأدب كان السؤال المطرح فيها ما البديل لمصدر الطاقة? ولكي اجيب على هذا السؤال كان لابد ان يكون البطل جيولوجياً وعلمياً وهو شيء منطقي وليس اقحاما لعملي।
من الاشياء التي ارتبطت بعالمك الروائي وجود النظريات العلمية اساسياً وهو مالم نلحظه دائماً في ثنايا الادب العربي?
بالفعل هذا النص غير منتشر في الرواية العربية وان كان موجودا في الرواية العالمية وهو ما اشار اليه عدد من النقاد عن الجوانب العلمية في اعمالي والسبب وراء ذلك انني اسعى دائما الى تبسيط العلم داخل العمل الادبي بحيث يفهم القارئ النظريات العلمية المعقدة بجمل وكلمات بسيطة لان العلم هو الذي يجعلنا نفهم ما يحيط بنا وما يدور حولنا فأنا لا اكتب بهدف تسلية القارئ بل ازوده بالعلم من خلال رحلته مع شخصيات رواياتي। ما اهم النظريات العلمية التي قدمتها من خلال رواياتك? لقد توصلت الى نظرية جديدة وهي ان مصدر الطاقة البديل هو الرمل النقي ولم اذهب لتسجيل ذلك في مراكز البحث العلمي بل جعلت من اعمالي الروائية مكانا لتدوين اكتشافاتي العلمية। لكن رغم اهتمامك بالعلم تهتم بالاساطير والخيال, الا يعد ذلك تناقضا?
الاساطير لدي ليست مرتبطة بالخرافات او للتسلية كما يظن البعض ولكنها مرتبطة بالوعي وهي نوع من محاولة الوصول الى نظرية جديدة يمكن ان يستفيد منها العلماء وبالنسبة للخيال فكما هو معروف يعمل على تشكيل العوالم واغلب الاختراعات بدأت بالخيال।
ارتبطت الصحراء منذ سنوات طويلة بالشعر الا انك استطعت ان تجعلها مرتبطة بالعمل الروائي?
ما لا يعرفه الكثيرون انني بدأت حياتي الادبية شاعراً وفناناً تشكيلياً ثم اتجهت للقصة القصيرة الى ان وجدت ضالتي في الرواية وبالتالي احساسي بالصحراء هو احساس الشاعر الفنان لان الصحراء تجعلك تسمع نفسك جيدا وتعطيك مساحة من التأمل।
دائما تسيطر الاسئلة على عالمك الروائي, لماذا?
العلم كما هو معروف يبدأ بالاسئلة وانا اعمل جيولوجياً واعتقد ان عقليتي العلمية فرضت علي اتباع هذا المنهج في اعمالي الادبية, فمثلا في رواية "خيال ساخن" كان هناك سؤال فلسفي يدور حول النصف الاخر بالنسبة لكل منا فطوال الرواية نجد بطلة العمل تظل تبحث عن نصفها الاخر حيث اطرح فكرة ان الانسان مخلوق بنصف روح ويظل يبحث عن النصف الاخر طوال حياته وقد يجده وقد لا يجده وكما اشار بعض النقاد الى ان ذلك يعتبر الى حد ما نظرة صوفية ترى ان الانسان يسعى للكمال بالبحث عن النصف المفقود فيه, وفي رواية "هالة النور" كان السؤال عن المصدر البديل للطاقة।
كانت هناك صدمة للقارئ عندما اشرت من خلال رواية "خيال ساخن" ان المصريين كانوا ضحية النيل رغم ايمانهم الأكيد بأن مصر هبة النيل?
هدوء النيل وانسيابه جعل الانسان المصري في حالة هدوء وسكون وقلل من سعيه وعزيمته ولو لم يكن النيل موجودا لسعى لتعمير الصحراء وخرج من الشريط الضيق الذي يكاد ان يموت فيه بسبب زيادة السكان ولا يوجد حل سوى ما طرحه العالم الجيولوجي الدكتور رشدي سعيد من خلال خطته لتحديث مصر بتفريغ وادي النيل من المنشآت الصناعية والخروج بها الى الصحراء الغربية بكل مفرداتها وان يقتصر النيل على الزراعة।
الصدق يكاد يكون من اهم سمات رواياتك, فما السر وراء ذلك?
ربما لان رواياتي مرتبطة بتجاربي التراثية والخيالية واعتقد انه كلما كانت التجربة الحياتية ثرية كلما كان العمل الادبي ثريا وقد تدفعني هذه التجربة الى ان اغامر بحياتي من اجل كتابة عمل ادبي وقد حدث ذلك بالفعل عندما غامرت بنفسي بالسير في منطقة "العلمين" رغم انها مليئة بالالغام وغير مسموح الا بالمرور في ممرات معينة, لكنني غامرت وتجاوزت هذه الممرات وكان الاحساس بالموت في اي لحظة يخالجني لكنني لم اعبأ بذلك في سبيل تحقيق هدفي بأن اكتب روايتي فقد كنت في حاجة الى اكتشاف الاماكن التي سأكتب عنها ولم اكتف بما قرأته او سمعته وعرفته من البدو।
لماذا اخذتك الرواية رغم اجادتك للرسم وللقصة القصيرة التي حصلت فيها من قبل على جائزة ادبية?
لقد وجدت في الرواية ضالتي الحقيقية فهي بالفعل مثل المرأة الآثرة من يقع في عالمها لا يستطيع ان يخرج منها فالرواية عالمها فضفاض ومليئة بكل الوان الابداع.
كيف ترى الرواية في الوطن العربي?
هناك تجارب روائية راسخة استطاعت ان يكون لها بصمة ولكن في الوقت نفسه ومع كثرة الجوائز العربية وارتفاع قيمتها المالية المخصصة للرواية تحول الشعراء الى روائيين ولم يعد السعي اليها من اجل الابداع بقدر ما هو مرتبط بالحصول على الجوائز والشهرة الاعلامية وايضا كنوع من الاستسهال رغم انها ليست كذلك, فالرواية لا يجب ان تكتب الا بتجربة حياتية ثرية حتى ان احد النقاد الغربيين قال ان الرواية لا تكتب الا بعد سن الاربعين ولكنها لدى الكثيرين قد تحولت الى نوع من الكتابة الصحافية التي تعتمد على نقل صورة المجتمع او ما يطلق عليه ب¯»الواقعي القذرة« في الادب في حين ان العمل الروائي الحقيقي لابد ان يكون به سمة جمالية
عملك المقبل?
انا بصدد اصدار رواية بعنوان "تاميس ॥ رائحة ايام منسية" التي سوف تصدر في بيروت و"تاميس" هذه مدينة فرعونية قديمة غارقة في بحيرة المنزلة بالوجه البحري شمال مصر حيث الحكايات والاساطير المرتبطة بالمكان مع الاستفادة من مرحلة طفولتي في الكتابة كما يسيطر عليها الجانب الاسري والعائلي فهي الى حد ما نوع من السيرة الذاتية الخاصة.

الأربعاء، نوفمبر 18، 2009

استراتيجيات الواقع في المدونات العربية



استراتيجيات الواقع في المدونات العربية
المدونات رهان اجتماعي على وعي متلقيها قبل أن تكون كاشفة بجدارة عن وعي منتجها.
ميدل ايست اونلاين بقلم: د. مصطفى الضبع
الذاكرة التحفيزية: في محاولتها خلق سياق تحفيزي تتسم المدونة بتشكيل ذاكرة خاصة بها سواء على مستوى ما تعيد طرحه من أفكار أو على مستوى طرحها أفكارها الجديدة يقول محمد العشري: "الزحام الذي لا مبرر له، يخنق الحياة في صدورنا، يدفعنا أن نفكر في حل للخروج من تلك المتاهة، أن نبدأ في تبني مشروع حضاري، قومي، ينهض بمصر في الوقت الراهن، يسهم في ادخار حياة كريمة للأجيال الجديدة، ولكي لا تتشتت أذهاننا في البحث عن حلول مؤقتة، مُسكنة، سرعان ما تنتهي صلاحيتها بمجرد الشروع فيها، لدينا الخطة التي رسمها، وانتهى إليها الدكتور رشدي سعيد - أبو الجيولوجيا في مصر - في كتابه الأخير (مصر المستقبل)، الصادر في (كتاب الهلال – 2004)، قبل فترة، ولم ينتبه إليها، أو يتبناها أحد حتى الآن।" (مدونة روايات محمد العشري) طارحا مشروعا ينهض على تحفيز الذاكرة الوطنية للخروج من مشكلاتها عبر مشروعاتها المهملة، ورؤية الروائى هنا تعتمد قدرته على استكشاف ما ليس منظورا من مساحات واقعية انشغلت عنها الجماعة البشرية।

رابط الموضوع في ميدل ايست اونلاين

السبت، نوفمبر 14، 2009

يا لها من تفاحة




فوزية شويش السالم
يا لها من تفاحة
فوزية شويش السالم
fawziyalsalem@hotmail.com
'تفاحة الصحراء'، رواية للكاتب المصري محمد العشري وهو صديق لي من الإنترنت، وروايته تفاحة الصحراء هي العمل رقم ثلاثة من مجمل أعماله الروائية.
كنت قد اشتريت روايته الأخيرة المسماة 'خيال ساخن' من معرض الكتاب العام الماضي، واكتشفت من بعد تصفحها بأنها رواية تنتمي للخيال العلمي وأنا لا تستهويني قراءة هذا الصنف من الروايات، فما كان من محمد إلا أن أرسل لي رواية 'تفاحة الصحراء' وهي رواية تتناول تلك الفترة من الحرب العالمية الثانية والتي جرت في صحراء العلمين في مصر، وهي سيرة لحوادث حقيقية دارت هناك، ومنها جاء أسم تفاحة الصحراء التي ترمز لتلك القنابل التي زرعها القائد مونتغمري لتحميه وتعزله عن عدوه 'رومل' الذي نصب مدافعه في قلب 'الضبعة' وهي القرية التي تدور فيها حوادث الرواية كلها، وما كان من 'منتغمري' إلا أن هرول هاربا منها، وتاركا خلفه أكبر حقل ألغام في العالم متأهب للانفجار في كل لحظة تمر من فوقه قدم.
الرواية تدور بين أزمنة مختلفة، من الحرب العالمية الثانية إلى الزمن الذي يلي انتهاء الحرب، ومنه إلى الزمن الحالي.
المشاهد تم تقطيعها وفقا لتداخلات الزمن في الرواية ، وأن كان المكان فيها تقريبا ثابت ، ماعدا مشهدا كتب على ظهر السفينة الناقلة للجنود الليبيين ، ومشهد مع الملازم ' دونا ماكسويل ' في لندن .
وتجري الحوادث متنقلة ما بين المهندس الجيولوجي 'تامر' وراعي الجمال الصبي 'صميدة' والخواجة 'جون' الإنجليزي، والطبيب 'شاوصن' والملازم 'دونا ماكسويل' وهي المرأة الوحيدة التي جاء ذكرها في هذا المجتمع الذكوري، المحصور ما بين الجنود في الماضي، وما بين الموظفين وعمال شركة البحث عن البترول في الزمن الحاضر.
والرواية تنتقل ما بين الأحداث بومضات سريعة، ونقلات لاهثة، تغزل الماضي بالحاضر، برشاقة وخفة قلم ينسج بسهولة النقلات ما بين غرز النسيج الممتد بين أزمنة مختلفة، وناس مختلفون، تضيء على أحداث حياة اندفنت في طيات ماضيها وغبار زمنها المنقضي. محمد العشري أعادها وبعثها إلى الحياة من جديد، كقصة جميلة مشغولة بتقنية سينمائية شاطرة ومضبوطة.
أعجبني جدا توظيف دور الحيوانات في الصحراء وإعطاؤها وجودا حيا في الرواية، لأنها بالفعل لا يمكن إلغاء دورها في هذا المكان المخلوق لها، والمخلوقة له، وهناك حوارات تدور ما بين الإبل في منتهى الجمال.
ولكن لي ملحوظة بحق هذه الرواية التي أراها أقرب إلى القصة الطويلة نوعا ما منها إلى الرواية، فهي تبدو كقصة قصيرة بتقنيات روائية، أو لنقل أنها رواية بروح قصة قصيرة، لأنها تفتقد للمعايشة الصادقة والحميمة التي تتطلبها الرواية، صحيح أنها جاءت بتقنيات الفن الروائي، ولكنها ولدت بروح وجوهر القصة القصيرة الخاطفة للأحداث، والتي تمرق عليها بمروق سريع، لا يتعايش مع الأحداث بشكل كاف، أي لا يتشبع بها خصوصا في الزمن التاريخي للرواية، لأنه حتى في في الرواية التاريخية، والتي لم نعشها، يجب أن نتخيل معايشتها، وبصدق وحميمية من عاشها، وهذا هو الأمر الذي يفرق مابين الرواية والقصة القصيرة.
لكنها في النهاية قد قدمت لنا عوالم الصحراء الجميلة، من جمال وغزلان وضباع وثعالب وحشرات وغيرها من تلك المخلوقات الرائعة.

الأربعاء، سبتمبر 30، 2009

خطة تحديث مصر.. نظرة أخيرة

خطة تحديث مصر
مقالي في المجلة العربية
عدد أكتوبر
الزحام الذي لا مبرر له، يخنق الحياة في صدورنا، يدفعنا أن نفكر في حل للخروج من تلك المتاهة، أن نبدأ في تبني مشروع حضاري، قومي، ينهض بمصر في الوقت الراهن، يساهم في ادخار حياة كريمة للأجيال الجديدة، ولكي لا تتشتت أذهاننا في البحث عن حلول مؤقتة، مُسكنة، سرعان ما تنتهي صلاحيتها بمجرد الشروع فيها، لدينا الخطة التي رسمها، وانتهى إليها الدكتور رشدي سعيد - أبو الجيولوجيا في مصر- في كتابه الأخير «مصر المستقبل»، الصادر في «كتاب الهلال – 2004»، قبل فترة، ولم ينتبه إليها، أو يتبناها أحد حتى الآن।
محمد العشري-مصر
المشروع واضح الملامح، يحتاج فقط إلى من يأخذه على عاتقه، ويتحمس له. تعتمد الخطة على تعمير جزء من الصحراء الغربية، يكون قريباً من حقول الغاز الطبيعي، لتزويده بالطاقة، يُمد إليه أنبوب من الماء، يُربط بوادي النيل بشبكة محكمة من المواصلات والاتصالات، هذه الخطة لتهجير أكثر من ثلاثين مليون مواطن مصري لتعمير الصحراء، هي من الخطط العملاقة التي تعتمد على فكر ورؤية مستقبلية للنهوض بمصر، يجب الالتفاف حولها كمشروع وهدف، تتبناه كل الأجهزة المعنية، ومن الممكن إنشاء جهاز خاص بها، أو حتى وزارة منوطة بتنفيذها.المكان الصحراوى المقترح، يقع في المنطقة الواقعة شمال الصحراء الغربية، التي يحدها البحر الأبيض المتوسط من الشمال، وجرف منخفض القطارة وواحة سيوة من الجنوب، لأنها أفضل المناطق التي يمكن النظر في تعميرها، بسبب اعتدال مناخها، انبساط تضاريسها، قربها من مصادر الطاقة ومركز العمران. تبلغ مساحة هذه المنطقة حوالي 40 ألف كيلو متر مربع، لو ترك نصفها بلا استخدام كمحمية طبيعية، وحجز نصف الباقي للمناطق الصناعية والمنشآت العامة، والنصف الآخر للإسكان لأمكن استيعاب كل مصانع مصر القائمة بوادي النيل بعد نقلها إليها وتحديثها، وعدد مماثل من المصانع الجديدة، ولأمكن إسكان عشرات الملايين من العاملين فيها، أو ممن سيقومون بالأعمال المكملة وعائلاتهم. بطبيعة الحال فإن المنطقة ستحتاج إلى تزويدها بالمياه العذبة، عبر أنبوب يُمد من النيل، لنقل ما يُعطي كل ساكن بها ما يساوي مئة متر مكعب في السنة، وهذا سيكون أفضل استخدام للمياه، التي يمكن ترشيدها، لأن مردودها سيكون أكبر بكثير من أي مياة تُنشر اليوم في استصلاح الأراضي الزراعية المنخفضة الجودة، التي نقوم بها اليوم.بالفعل إذا أمكن تنفيذ هذا المشروع القومي الكبير، سيتغير وجه مصر كلياً، سيصبح وادي النيل روضة محفوظة للزراعة، والصحراء روضة صناعية، سيزيد رونقها لو أننا رتبنا أن يكون إسكان الناس فيها في تجمعات مخططة تخطيطاً جميلاً، توضع عن طريق مسابقة بشروط تُبعد المقاولين، ومدرسة المعمار المصرية السائدة اليوم، حتى يكون هناك أمل في أن تتفادى هذه التجمعات الجديدة مشاكل مدننا القائمة، فتختفي المكروفونات وتحجز معظم الشوراع للمشاة، يكون الإسكان جميلاً ورخيصاً، في حدود إمكانيات العمال وصغار الموظفين، كافياً لحاجاتهم.بطبيعة الحال فإن تكاليف تنفيذ هذا المشروع القومي الضخم ستكون كبيرة جداً، على أن عائده سيكون كبيراً أيضاً، سيعطي الزراعة دفعة هائلة، سينقل الصناعة نقلة كبيرة نحو الكفاءة والحداثة، سيحسن من البيئة، يرفع نوعية حياة الإنسان، ويزيد من كفاءة المواصلات والاتصالات، بالإضافة إلى أنه سيفتح الآفاق لمستقبل أفضل للأبناء، بتوسيع الاقتصاد لصالح الأغلبية منهم، سيعمر بطريقة مخططة جزءاً كبيراً من بلادهم، كما أنه سيوفر الإنفاق الهائل، الذي يُهدر اليوم في محاولة تحسين أحوال المدن القائمة، عن طريق بناء البنى التحتية لتخفيف الازدحام كأنفاق المترو، شبكات الصرف الصحي الهائلة، الكباري العلوية، والطرق الدائرية، وكلها حلول مؤقتة ما أن ينتهي العمل فيها، حتى تبدأ مشكلات الازدحام من جديد. كذلك الإنفاق على مشروعات التوسعات الزراعية الأفقية، شق قنوات الري في الصخور، أو في الملاحات، كما هو حادث اليوم في محاولة استصلاح أراض منخفضة الجودة، عالية المنسوب، يحتاج توصيل المياه إليها إلى إنفاق الكثير من المال عليه. كل هذه المليارات من الجنيهات التي تنفق على هذه المشروعات، والتي يمكن أن توجه إليه، بالإضافة إلى مدخرات المصريين الراغبين في أن يكون لهم مسكن صحي ملائم، أموال البنوك التي يمكن أن تمول عملية نقل المصانع القديمة، أو بناء الجديدة منها يمكن أن تكون الخميرة الأولى للتمويل.خطة مبنية على رؤية وقراءة دقيقة في معطيات الواقع، من دراسة تاريخية عميقة، ضَمّنها في ثلاثة ملفات في كتابه «مصر المستقبل»: الملف الأول يتعلق بالصحراء، الاستخدام الأمثل لمواردها، وطرق تعميرها، الملفان الثاني والثالث بمصدري المياه والطاقة في مصر، طرق الاستفادة منهما والحفاظ عليهما. فمن اللافت للنظر أن تكون مصر هي الدولة الوحيدة من بين دول الشرق الأوسط، التي تجمعت لديها أهم عناصر التنمية، مع ذلك فهي أفقر هذه الدول في نوعية حياة أبنائها، أو دخل الفرد فيها.حالة الشرق الأوسط هي من الحالات الفريدة، النادرة في التاريخ الإنساني، من حيث إنها تعتبر الحالة الأولى، التي لم يسهم اكتشاف منابع الطاقة فيها في قيام حضارة فيها، أو حتى على نشوء آلية مبادرة ولو متواضعة، يمكن أن تضيف شيئاً للذات الإنسانية، على طول التاريخ كانت الحضارة تنتقل حيث توجد الطاقة، التي كانت – ولا تزال – تشكل العنصر الأساسي لاستمرارها. فقد ظهرت الحضارة في أولها في أحواض الأنهار الكبرى المعتدلة المناخ، التي زودتها الطبيعة بالطاقة اللازمة لإيصال الماء إلى سهول فيضاناتها، ثم انتقلت إلى الجبال، حيث الأشجار الباسقة التي استغلها ساكنوها في صناعة المعادن، ثم إلى سهول أوروبا حيث وُجد الفحم الحجري، ثم إلى الولايات المتحدة حيث اكتشف البترول، ولا زال زمام الحضارة في يدها على الرغم من نضوب بلادها منه بسبب قدرتها على ضمان وصوله إليها من منابعه، على الأخص من منطقة الشرق الأوسط.ويشهد العالم اليوم ومنذ أقل من العقد نقلة حضارية أخرى في مصادر الطاقة، التي أصبحت اليوم أكثر تنوعاً، لم يعد البترول يمثل أكثر من ٪40 من احتياجات العالم من الطاقة، بعد أن كان يمثل أكثر من ضعف هذه النسبة منذ أقل من ثلاثين سنة مضت، وكاد ينحصر استخدامه في تسيير السيارات والطائرات والبواخر. أما المصادر الأخرى التي أصبحت تستخدم اليوم على مقاييس واسعة، هي الغاز والطاقة النووية، بعض المصادر غير التقليدية، المتجددة، التي ما زالت بلاد العالم الصناعي تملك زمامها. إننا في حاجة إلى حملة واسعة تؤازر هذا المشروع النهضوي، الهادف إلى تحديث خريطة مصر في العصر الحديث، والنهوض بحياة أبنائها، تبرزه بكل السُبل كل جميع المستويات، تدخله إلى حيز التنفيذ.فمَن يبدأ بحمل مشعل الحضارة الحديثة في مصر؟!
محمد العشري - مصر

الأربعاء، أغسطس 19، 2009

حضور آت من السراب.. في.. لو ينطق البحر


مقالي في جريدة "الرؤية" الكويتية
عن مجموعة "لو ينطق البحر" لعواطف الزين
الثلاثاء, 18 أغسطس 2009
محمد العشري

إلى وطن تحبه، تهدي الإعلامية والكاتبة اللبنانية المقيمة بالكويت عواطف الزين، مجموعتها القصصية الجديدة «لو ينطق البحر»، الصادرة عن «دار قناديل» للنشر في بيروت. تشتمل المجموعة على ثماني قصص قصيرة، تتضافر عوالمها المتباينة في نسيج واحد، وتحافظ على النسق الحكائي المشوّق، من خلال الإمساك بلحظات إنسانية شديدة الرهافة، تسعى للمسها واكتشاف مخابئها الإنسانية روح طفولية، شغوفة بما حولها، متقدة الذهن، تتلمس السبل لفهم ماهية الحياة في محيطها، وتجاهد لتفسير تصرفات الآخرين، وأفعالهم غير المبررة: «كان العالم من حولي يوشك على تكبيل طفولتي بقيود الأنوثة حين انتزعني أبي من نعيم مدرستي وجنتها ليرمي بي في مواجهة غير متكافئة مع قناعاته، وطموحاته، وتمسكه برأيه».

يلاحظ القارىء أن روح تلك الطفلة لا تكفّ عن السؤال، ومن ثم يتفتح وعيها في محاولاتها المستمرة لإدراك أطراف محيطها الكوني، والتحليق في آفاق المعرفة بخفة كائن طموح، يدفعه رغبته القوية في النضوج، وما يتسرب في لا وعيها من ممارسات تشاهدها، وتمنحها لحظات دافئة، تجعلها ترى أبعاداً أخرى في الحياة، من نافذة غرفتها، التي: «تطل بجرأة على منزل عاشقين لا يكفان عن ممارسة عشقهما ليل نهار». ذلك المشهد الحميم، يكشف لها عن جانب مهم في الحياة المختفية وراء الأسوار العالية، وفي الغرف المغلقة، ويقابل ذلك المشهد مشاهدتها للباعة المتجولين، ومشهد ثالث لامرأة مجنونة، تزرع شوارع الحي بصراخها المضني، وشتائمها، وغضبها من الرجال.

هكذا، تمر حياة تلك الطفلة وتتشكّل من مشاهدات رومانسية حالمة، إلى مشاهدات صاخبة، وهي بين هذا وذاك تحاول أن تفكّ قيود العالم من حولها، بشقاء ترك بصمة واضحة في المخيلة، يستمر معها ويلازمها في مراحل حياتها، ذلك في قصة «الصفعة»، وما تركته من دويّ، يتردد صداه في أذنها: «إلى متى ستظل تشرب من معين الخوف والقلق انتظاراً لشيء ما قد يحدث أو لا يحدث؟ وما هو هذا الشيء يا ترى؟». أسئلة تتوالد من بعضها، تفتح نوافذ كثيرة لتلك الذات الساردة لتطلّ منها على عالمها، ذلك العالم المليء بالأحلام والكوابيس، وشعور بالآمان يغمرها، وشغف بالحياة يجعلها تركض دون توقف.

في قصة «أوليفيا» يمكن للقارىء أن يلمس براعة ومقدرة عواطف الزين على بناء عالم أسطوري، يتوازى مع الواقع، يتشابك ويتمازج معه، إلى أن تتوه الحدود الفاصلة بينهما: «حين أطلت «أوليفيا» من بعيد يسبقها إلينا وإلى حضورنا الآتي من السراب صوت متوهج باللهفة، طافح بالاشتياق، ها هو الحلم يسير على قدمين ويضمنا بعينيه قبل أن يغمرنا بصدره». ونجد ذلك البناء الأسطوري يمتد في قصص المجموعة، ويشيد طبقة أعلى في قصة «لو ينطق البحر»، التي توظف فيها الكاتبة الأسطورة اليونانية القديمة، وما يقابلها في الملحمة الشعرية الرومانية «الإنيادة» عن «أليسار» أو «ديدو» ابنه الملك بيبلوس، التي قتلت نفسها بعد أن هجرها البطل الطروادي. وهنا نجد الزين تعيد خلق الأسطورة بأسلوب عصري يؤكد على قيمة وأهمية التاريخ حين يُضفر في لحمة السرد.

ولا يلبث أن يخرج القارىء من تلك الأجواء الأسطورية وهو مشبع، ومتلهف، وشغوف للمس وإدراك ما حوله، ما يحياه، ويزاحمه في شئونه، فيجد مأربه في القصص التالية: «اليوم الموعود»، «الحياة تبدأ الآن»، «الأضحوكة»، و»في وجه الشمس»، حيث لم تهدأ أو تفتر جاذبية السرد، وتمكّن عواطف الزين من شد انتباه القارىء ومنحه لحظات متعة دافئة، تحببه في المضي في اكتشاف تفاصيل أكثر: «لا مكان للراحة في هذا العالم المسكون بالظلم والمحكوم بالظلام». ومن تلك الزاوية يدخل القارىء إلى حياة المعتقلات السرية، ويرى أثرها الفاعل في تشكيل وتوجيه المعتقلين، ومصائرهم النفسية، وهزائمهم المعنوية، حتى تصل الزين بقارئها إلى نقطة مضيئة، جوهرية، عن تلك الحياة السرية في القصة الأخيرة «الزائرة»، والتي طعّمتها بالتراث الشرقي، من خلال شخصية شهرزاد: «كانت السماء تفرج عن فجر جديد آسر ترسمه شهرزاد بصرخة مدوية في وجه كل جائر». وهي صرخة الملاذ للذات المسلوبة، تؤكد بها على حضورها، والاحتماء بقوتها الداخلية ضد الظلم، والطغي، والاستبداد.

في مجموعة «لو ينطق البحر» لعواطف الزين ملامح ثرية، تكشف عن جماليات مختبئة في الذات الإنسانية، وهو ما يجعلها تشتبك بالواقع بجسارة، وتتسرب في الأحلام بمرونة، تلك المراوحة تنير للذات مساراتها المتعددة، وتخرجها من متاهاتها المتشعبة، دون أن تفقد شغفها وحلمها لمعرفة ذاتها، ورهانها على الزمن القادم، وعلى قدرة الإنسان على تجاوز محنته، بأسلوي حكائي شيق، يحافظ على روح السرد الشرقي، ونكهته الأسطورية، ويعطي للأشياء قيمة، وللزمن مكانته في تشكيل طبقات الوعي المتعددة الدلالات والمعاني

رابط المقال في الجريدة


الاثنين، أغسطس 17، 2009

"الغرام" لوائل عبد الفتاح

مقالي في جريدة النهار
..
الغرام" لوائل عبد الفتاح
تحليق مراوغ في شرفات الهوى
"أبقى معلقاً بين كتلتي هواء/ أحفرها بينهما... وأغادر"، من ذلك المكان يرصد الشاعر والصحافي المصري وائل عبد الفتاح تجربته الشعرية في مجموعته "الغرام"، الصادرة حديثاً لدى "دار النهضة العربية" في بيروت. وتعد المجموعة أول أعماله الشعرية المنشورة ورقياً، بعد سنوات طويلة من الكتابة الشعرية. التحليق في فضاء الهوى والغرام يجعل من قصائد المجموعة شرفات للذات الشاعرة، كي ترى من خلالها أحلامها، مصيرها، همومها، شجونها، وصورة وطنها. ذلك ما يجعلها تلمس الهواء، وتمسك به وتراه: "لم أسمع صوتها أبداً./ فقط... همس المرتبكة./ ولمس الهواء لحنان الباحثة عن حبيب في غربتها الدائمة". تلك الغربة تتماس مع العتبات الأولى لتجربة الحب، والوقوف على أثره في الذات، وما تفتحه من نوافذ تطل منها على فضاء روحها: "ترسمين على الزجاج شوارع أخرى... أكثر اتساعاً لطريقتك/ في المشي./ عتبة جديدة./ ونافذة معلّقة".
تبدو عتبة المدينة بعوالمها الواسعة، المنفتحة على فضاءات متعددة، والتي تمعن في سرية الفعل، تسرب البهجة واللذة في تلك الذات القادمة من أطراف الضواحي البعيدة، ولا تلبث أن تقذفها العاصفة في قلب دوامة خفية، تجعلها أكثر اقتراباً من ذاتها، وأكثر وعياً بأساليب أمنها، وهدوئها النفسي، في ظل ما تلقاه، وتسمعه من أصوات، تشتت انتباهها وتفقدها القدرة على الاستمرار في الطريق، الذي اختارته بإرادتها: "أكاد الآن أتلمس صورتها/ ملامحها تتضح كلما ابتعدت".
ويستطيع القارئ أن يلمس صور التناقضات المتعددة بين عالم المدينة، الذي وفدت إليه تلك الذات بمكامنها السرية، وعالم الضواحي الذي تربّت فيه، وجعلها دائماً على طرف الأشياء، على الحافة، من دون أن تلمس أو تنجرف في تجربة كاملة: "هي... ليست خبيرة بالقلب./ لكنها... استعملت حريتها مرة واحدة."، تلك المرة الوحيدة جعلتها أكثر دراية بذلك الفضاء الجديد، وأكثر شغفاً باكتشافه، وفهمه، لتصطحب جمهورها من الشرسين. ذلك ما يفتح المجال، ويوسّع من رؤية تلك الذات لحاضرها، إلى أن تستعيد ذاكرتها الحية، مثل أميرة الحروب القديمة، وهي تقترب من عوالم الأناني، والمقامر، والمراهق، والراقص، والاستعراضي، حتى تستقر ذاتها، وتحفر أظفارها مسارات مستقرة، وتدرك أن "الألم وشراستها يصنعان ملحمة البقاء اللذيذ".
يبدو ذلك الملمح واضحاً، وبارزاً، في قصائد وائل عبد الفتاح، وهذا ما يمنح ذاته الشاعرة صلابة، وقوة في مواجهة الواقع من حولها، ويكسبها قوة ثور يهدأ ويلين مع رشفات النبيذ، لتستكين وتعود إلى معانقة ذاتها المتشظية، وجسدها المسترخي، تهاجمها شراسة دائمة، ومعارك فوق رأسها لا تهدأ، ولا تترك لها حرية أن تحيا بهدوء وتأمل في فضاء المدينة "المكشوف والسري"، لتصبح تلك الذات مثل أسماك نادرة في حوض الزينة: "باردة.../ وأحبها.../ هذه طريقة الدرافيل في البحث عن الماء تحت جليد القطب الشمالي".
قصائد "غرام" وائل عبد الفتاح تحمل هماً إنسانياً، وإرثاً ضخماً من الألم، وإن كان يحمّلها أكثر مما تحتمل الشعرية بالنبرة الثورية العالية، واللغة المقتضبة، والإستعاضة بالنقط الكثيرة في المجموعة عن البوح، الذي يمنح الذات أجنحة، ويجعلها تحلق من دون قيود، لكنه لم يغفل أن يجعلها تنطلق بالمحبة العارمة تجاه الوطن، وبتاريخ من النضال والثورة، وإن اتخذ الشكل العاطفي، يظل في محبته ووعيه بذاته، يرفع راية حمراء، ظاهرها الغرام، وباطنها الدم.
القاهرة – من محمد العشري
جريدة النهار- بيروت

الاثنين، يوليو 27، 2009

طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء



مقالي في جريدة النهار:
"طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء" لمحمد أبو زيد
الإنصات إلى روح الشعر وحرمته
القاهرة...
بعنوان لافت، وإهداء سردي من "الخلود" لميلان كونديرا، يفتتح محمد أبو زيد تجربته الشعرية الجديدة "طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء" الصادر حديثاً في القاهرة، لدى دار "شرقيات" للنشر. محاولة للدخول إلى رأس القارئ من خلال تفاصيل يومية بسيطة، تجعل الشعرية مطروحة ببساطة وتلقائية، وتمكّن هذا القارئ من التوحد معها، والتغني بها، لأنها تمسه من الداخل، وتدفعه إلى الدهشة، والرغبة في رؤية نفسه في مرآة الشعر، يقدمها الشاعر هنا، في: "كوبري ستانلي"، "عشيقة جيدة لدراكولا"، "كلمني شكراً"، و"قاتل تسلسلي".
تأتي قصائد المحتوى الأول: "كوبري ستانلي" محملة حساً عالياً، وولعاً لرصد الذات في علاقتها بالآخر، وتفاعلها مع ما حولها بكامل كيانها، من دون أن تتخلى تلك الذات عن بحثها الدؤوب ورغبتها في عبور الحد الفاصل بين الخيال والواقع، بتشكيل أسطوري يستفيد من "ألف ليلة وليلة"، بتكوينها التراثي، ودمجه في الصورة العصرية، التي يعيشها الشاعر، وينغمس فيها عن وعي: "بصرخة واحدة أنزل المطر/ بإشارة من إصبعي الصغيرة / أوقف الحرب / بنظرة أبعد الموت عن أمي/ وبابتسامة واحدة،/ واحدة فقط/ سأزوج العاشقات/ المنتظرات في المترو".
التأرجح بين الكوني والذاتي يمنح الشاعر مساحة أوسع للبوح بتلقائية، والإمساك بمفردات يومية من مرحلة الطفولة، تُشكل ثراءً ومخزوناً حكائياً فريداً: "الحياة تبدأ حيث تذهب الطائرات الورقية/ حيث يضيء اللؤلؤ أسنان سارة/ ويبتسم النرجس/ في كُمّ سعاد".
تلك الروح التي تحلق في فضاء القصائد كملاك ينثر الورد على أرواح متعبة، تظل على ثباتها في مواجهة الواقع بكل سطوته، وجبروته، ودحضه للأحلام، وللحياة: "ابتسامات كثيرة على يسار فمي/ أخبئها عن عيونكم/ لكنني في الخريف القادم... سأسقي الزهور على قبري/ مياها غازية". وقبل أن ينهي أبو زيد قصائد الجزء الأول من المجموعة، يأتي بقصيدة ميلودرامية، تعبر عن حال الشتات المسيطرة على الذات، ورغبتها في تجاوز ذاتيتها، من أجل قيمة ما، تدفعها الى مواصلة الحياة، حتى لو كانت تلك القيمة هي القتال: "القتلى يذهبون للحرب/ حتى يلوحوا لكاميرات التلفزيون/ وهم يرقصون هربا من دوار البحر / ففي الحرب فقط/ يشعرون بآدميتهم".
يمكن القارئ أن يلاحظ سيطرة الحالة الوجدانية على المحتوي الثاني من قصائد المجموعة، بعدما مرت الذات الشاعرة بمرحلة إختبار لمدى صلابتها، في تحمل ضربات متتالية من دون أن تتخلى عن لحظات تقتات فيها الفرح، وتسعى الى العشق: "عيناك /تشبهان حقل جدي/ لكنه منذ سبع عجاف/ توقف عن الإخضرار/ وصدرك المزاحم للهواء /نسيته على طاولة المقهى المرتفعة وانصرفت، / ويدي في يدك". تمرّتلك اللحظات الإنسانية المرهفة، تفاصيل حياتية تؤدي إلى التشبع، من دون اللجوء إلى فلسفة ما، لتفسير تلك الحالة: "اليقين: خيانة الشك /الشك خيانة اليقين/ لذا/ لم أعد أحب الحكماء".
وحين تتخطى الذات تلك الحالة الوجدانية، وتبتعد المسافات بين العاشقين، تظهر الهوة السحيقة في عدم التواصل، أولى علامات الالتفاف على الداخل، والتقوقع في عزلة تامة، وذلك ما يظهر جلياً في قصائد المحتوى الثالث من المجموعة: "كل شيء يضيع يا محمد/ ينسل نقطة نقطة". ولا ينسى محمد أبو زيد وهو في ألقه الشعري، وقبضه على روح قصيدة النثر، أن يتمسك بشعريته، واختياره الفني في الشكل الملائم لها، وإصراره على المضي فيها، في الوقت الذي تجد فيه تلك القصيدة النثرية معارضة صارخة من أجيال شعرية تخلت عن شعريتها، وصلبتها على المقاعد الوثيرة، وأعمدة الصحافة الإستهلاكية، وباتت بلا خلق، وعلى رغم ذلك تصرّ على محاربة كل الأجيال الجديدة من أجل الحصول على إمارة زائفة: "فقط أريد أن أنبه/ إلى أن هذه القصيدة لها حرمتها/ فلا ترصوا الورد بجانب الجثث/ في غرفة المعيشة".
وهو بذلك يؤكد أن الحداثة الشعرية ترفض القوالب الشعرية الجاهزة، وتنتهج نهجاً خاصاً في بناء هيكلها، وسلّمها الموسيقي، بعيداً عن مبررات النقاد، مما يجعله يصادق روح الشعر، ويدعوها إلى بيته، ويترك لها حرية أن تنطلق من دون أن يقيد أجنحتها بدبابيس التحنيط: "مساء الخير يا أمي، أنا محمد، ابنك، الذي يظل ينكش فوق الورق كدجاجة، ينتهى القلم، فأكتب بأصابعي، بذراعي، بأطرافي، بجسدي، أنتهي ولا تنتهي الكتابة، أنا محمد يا أمي، يا أمهات المؤمنين". ذلك ملمح مهم، يسعى إلى تأكيده محمد أبو زيد في قصائد الجزء الرابع من المجموعة.هذه بعض ملامح شعرية ناعمة، تهدر بصخب إذا ما أحسنّا الإنصات إلى موسيقاها، في المجموعة الشعرية المبتكرة "طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء" لمحمد أبو زيد بداية من العنوان، ومروراً بالمتن، وانتهاء بإضافة أسماء المراجع التي ساهمت في بناء ذلك المشروع الشعري، مثل: "القرآن الكريم"، "صحيح البخاري"، "ألف ليلة وليلة"، وغيرها. وهو بذلك يضيف لمحة شعرية مضيئة إلى تجربته الشعرية، ومجموعاته الأربع السابقة.
محمد العشري
جريدة النهار
27 أبريل 2009

الجمعة، يوليو 17، 2009

التمرد على تقليدية الحب في خيال ساخن

"خيال ساخن" لمحمد العشري

التمرّد على تقليدية الحبّ


* محمد العبادي


"خيال ساخن": الرواية الخامسة للأديب محمد العشري، تمثل إضافة جديدة ومتميزة لإسهاماته في عالم الكتابة التي بدأت برواية "غادة الأساطير الحالمة" المنشورة في 1999" حتى "هالة النور في عام2002".
بشكل عام.. قد يتفاعل القارئ مع النص من منطلق كونه رواية حب، أو لنقل رواية عن الحب، لكن من قراءتي تكون لدي يقين أن الهدف الأساسي هنا هو التمرد على الشكل المعتاد لقصة الحب التقليدية، يظهر هذا من البداية في العنوان، وفي خيالية العديد من الأحداث داخل قالب خارجي منطقي (وهو ما دعا النقاد لربط الرواية بفكرة الواقعية الأسطورية) بالإضافة إلى اللغة المستخدمة.

العنوان "خيال ساخن": يعطي الإيحاء أن البطل الحقيقي هنا ليس جمانة أو ابن ساهر، ولا حتى الحب، البطل الحقيقي هو الخيال الذي يمضي عبر أركان النص، ويبدو كما لو كان هو المتحكم الرئيسي في كل التفاصيل، سخونة الخيال هنا- كما ذكرت -لا تدل على انطباع إيروتيكي ما، سخونة الخيال هنا مرتبطة بديناميكيته وخصوبته عبر أجزاء الرواية. الإهداء والمفتتح يعملان على اعطاء انطباع أولي أن الرواية تتحدث عن الحب (يبدو الأمر كخدعة لتخفي قشرة العاطفة والحب الهدف الأساسي: الخيال)!. الضمير "رأيت" في السطر الأول، ربما يكون هدفه الأساسي هو كسر الإيهام، وبداية عقد نوع من إتفاقية التواطؤ بين الكاتب والمتلقي، إشارة إلى أن كل ما يلي من أحداث مبني على الخيال، دون اهتمام بالواقعية.

الجزء الأول "الأمل":

من بداية يتضح لنا أهمية استسلام المتلقي لعالم الرواية الخيالي، من البداية نجد: الشجرة المتحجرة، السلعوة، ساهر البطل الذي يستطيع أن يحفر نفق ليهاجم السلعوة ويهزمها.. بل ويمزق جسدها إلى نصفين!، التنين الخارج من اللوحة ليوحد الحيوانات (يذكر بمزرعة الحيوانات لأورويل)... وغير ذلك الكثير.
كل هذه المفردات والأحداث الخيالية تعطي النص حيوية هائلة، لا يقللها سوى محاولة "منطقة" الأحداث أحياناً، مثلاً:
- احتياج ساهر لتخدير السلعوة: "من المنطقي" أن يحتاج ساهر لتخدير السلعوة كي يقدر أن يتغلب عليها، لكن الجمال في حكاية (قتل السلعوة على يد ساهر) أنها حكاية "غير منطقية" على الإطلاق أقرب لمفهوم "اللا جدية" كما ذكره "كونديرا"، بمعنى آخر: لو استسلم الكاتب للمنطق لكان من الكافي جدا أن يتصل الأب التاجر بشرطة النجدة لنجدته، دون الحاجة لظهور ساهر!.
- حكاية ظهور التنين: تصويره على أنه مجرد حلم في خيال التاجر، رغم ارتباطه في أجزاء تالية من الرواية بأسطورة قديمة، هل التنين مجرد خيال لرسام؟ أم هو تحقيق لهبة أسطورية من حتحور؟

الجزء الثاني "الهيام":

يبدأ برحلة نيلية غارقة في الخيال، ذات جو شبه أسطوري يذكرنا برحلة الإنسان الدائمة للبحث عن المعرفة، يختلط في هذا الجزء التاريخ بالأسطورة، بل ويتضح سعي الكاتب لإنتاج أساطير جديدة ومغايرة (يبرز هذا مثلاً في الحديث عن بردية النماء).
في هذا الجزء أيضا يتكشف للقارئ الوجه الآخر لساهر(أعجبني اختيار اسم "ساهر" لتحمله لازدواجية المعنى: ساهر قد تعني حارس وحامي يسهر الليل، وساهر قد تعطي انطباع بعدم الالتزام الأخلاقي)، رغم ظهوره في الجزء الأول بصورة البطل الشهم المتمرد على القيود إلا أن ساهر هنا إنسان هارب من أي التزام، حتى التزامه الأسري، يسعى للعمدية بمنطق البحث عن لعبة جديدا، يرسم الكاتب هنا بمهارة التناقض بين صورة ساهر الحقيقية، و صورته الأسطورية في خيال جمانة المبنية على الحكايات والتماثيل.

الجزء الثالث "النافذة":

تغيير الراوي من راوي عليم إلى راوي أول يعطي انطباع بواقعية الحدث، وهو ما أصابني بالحيرة لتناقضه مع ما ذكرته في البداية عن محاولة الكاتب كسر الإيهام. لازالت الأحداث تمضي بشكل خيالي، خاضعه لمنطقها الخاص، حتى نصل فجأة لجملة (لنقص الدواء في الصيدليات)!، نفس مشكلة المنطق المفاجئ في وسط اللامنطق التي ذكرتها من قبل. اللغة هنا متميزة، أقرب الى اللغة الصوفية كما قيل، لكن – ابتداءا من هنا – يأتي تميز اللغة على حساب الإيقاع العام.

الجزء الرابع "العناق": عودة للراوي العليم..

في هذا الجزء – وعن طريق إعادة رواية المروي لكن بشكل مختلف – يكشف لنا الكاتب أبعاد مختلفة للأحداث، يظهر لنا أن السلعوة التي ظنها الناس وحش كاسر ليست سوى أم قتلها الحزن، كذلك تتكشف لنا أكثر فأكثر صورة ساهر كشخص غير مسئول، متحجر المشاعر، عاله على المحيطين به، حتى ابنه. لكن وقعت الرواية هنا في فخ التقليدية في بعض الأِجزاء، منها مثلاً: المقارنة الصارخة بين ساهر وصاحب البيت الذي يعمل فيه ابن ساهر، أيضا شخصية الأب الذي يتعامل مع ابنته كصفقة تجارية (لكن قد يكون هذا من سبيل السخرية أو التمرد على الشكل المعتاد لكتابة حكايات الحب كما ذكرت من قبل).

اللغة في مشهد اللقاء النهائي بين ابن ساهر وجمانه لغة متميزة لكن لازالت على حساب الإيقاع، لكن هذه النهاية الخيالية مناسبة تماما للخيال الساخن المستمر في الرواية كلها. ورغم عدم وجود مبرر واضح للقاء الحبيبين، إلا أنني لا أجد داعي لمثل هذا المبرر في ظل فنتازية الرواية. إجمالا نجد أن رواية "خيال ساخن"، الصادرة عن "الدار العربية للعلوم" مؤخراً في بيروت، بالإشتراك مع "مدبولي" في مصر، و"منشورات الإختلاف" في الجزائر، هي رواية مختلفة لكاتب مختلف، وهي أيضا رواية مبشرة بأعمال أخرى مغايرة ومتميزة لكاتبها محمد العشري

..
جريدة العرب الدولية- عدد الجمعة 17 يوليو

http://www.alarab.co.uk/pdf.htm

صفحة
14

الخميس، يوليو 09، 2009

خيال ساخن.. جريدة المال


ترشيحات رواية: خيال ساخن
كتبت: ناني محمد
جريدة المال (الخميس 9 يوليو 2009 )
..
يمزج الروائى محمد العشرى في روايته " خيال ساخن" بين الواقع والخيال، ويقف عند الخيط الرفيع الذى يفصل بينهما، وينسج فى خيال أبطال الرواية أحداثا تفوق الواقع فى تصوراتها لتقترب من الخيال، فلا يفسر أيهما واقعا وأيهما خيال، يخرج في بدايتها من إطار المكان والزمان، فلا تعرف أين يعيش هؤلاء البشر، و بأى لسان ينطقون؟!.
"خيال ساخن" تروي قصة حب رومانسية تحياها لفتاة لم يذكر الكاتب ملامحها، فقط تنطق بالبراءة و تتحلى بالدفء، تحلم بفارسها و ترسمه فى خلجات نفسها، تتحسسه فى أحلامها، وتجسدة فى واقعها، رجل به من صفات الفارس النبيل، فارس الأحلام كما تحلم به كل فتاة، وبمرور الأحداث يبدأ العشرى فى عرض تفاصيل المكان تدريجياً، وتستعرض خلال الأحداث أصل مدينة الفيوم منذ إنشائها، فى عصر "العزيز" أن بناها على يد يوسف الصديق، الذى بناها خلال سبعون يوما، وحين أقر "العزيز" أن بناءها كان يحتاج إلى "ألف يوم"، أصبح هذا هو اسمها بعد أن تم تداوله وتحريفه إلى "الفيوم " .
رواية "خيال ساخن" رسم لمنحنيات الأبنية والبشر، مدمجة بخيال خصب، يقوم بإحياء القلوب وإنعاشها .
جريدة المال

الثلاثاء، يونيو 30، 2009

العشق سبب موضوعي لرؤية الجمال في خيال ساخن


اليوم في جريدة الأهرام
خــيال ســاخن لمحمد العشــري
العشق سبب موضوعي لرؤية الجمال
مقال : آمال جبارة
في رواية خيال ساخن مخاتلة من بداية العنوان استعملها الروائي محمد العشري ليوقع القارئ في شرك تخييله العشري‏,‏ ذلك الخارج من غرابة الواقع‏,‏ ليكتبها مستحضرا اساليب متعددة مستمدة من الفلسفة والثقافة الاجتماعية والتصوف وجيولوجيا المكان والأسطورة ليجتمع كل هذا بعنصر من أهم عناصر السرد وهو الخيال‏.‏ وكان لحضور هذه الخواص والاساليب الاجناسية المتعددة التي استحضرها العشري أن انتجت نسيجا سرديا كأنه الفسيفساء بما لامس هذه العناصر من فنية في التوظيف‏.‏ والمترتب دلاليا عن هذا البناء يتيح للقارئ انجذابا تاما عند القراءة‏,‏ فالخروج مبللا بالاسئلة الانطولوجية الوجودية علي امتداد كامل النص‏.‏
خيال ساخن رواية بدأت منذ البداية‏,‏ بمعني ألم تكن الاساطير هي البدايات الأولي لفن الرواية؟
وتكريس هذا الاتجاه أسهم في اثراء النص علي مستوي تعدد الاساليب كما أن التعمق في الشخصيات عبر الحوار الداخلي قد أثار جدلا بين الذاكرة والواقع الثابت والمتحرك حيث اختزل الكاتب كل مصادر العجز في الذات المنسلخة من ارادتها‏.‏ كانت رمال الصحراء متحركة في رواية العشري وكان استحضار العناصر الطبيعية يوحي بالحياة وكان الإنسان المخبأ وراء ستارة اختارها الكاتب توظيفا للخيال واقفا ثابتا امام عجزه‏.‏ وفي هذا الإطار يستدعي العشري نهر النيل بشكل مختلف تماما عن حضور النيل المألوف‏,‏ وهي إحالة تطرح الاشكالات علي مستوي التأويل حيث الاتساع التأويلي‏.‏ هنا ايضا هو اتساع الصحراء‏,‏ ألا تكون روافد النيل ترميزا هي روافد العجز عن التغيير في الذات المستسلمة المرتجفة؟ ألا يكون النيل بحضوره الاسطوري‏.(‏ هنا أقصد التشبيه‏)‏ وبعظمته ورهبته سببا حقيقيا في عدم السعي للتغيير بما يغطي جماله من بشاعة الواقع‏.‏ أليس للنيل جمال باهر‏/‏ مبهر حد جعل العين تضيق لنور حضوره فلا تتمكن من إدراك مواطن الوجع؟ ان بدا موقف العشري من خلال فقرة النيل يدعو إلي ادانته غير أن الترميز الذي اعتمده يمكن أن يطوح بالقارئ إلي حيث التنويه بما أضمر الكاتب لنهر النيل أليس العشق سببا موضوعيا لرؤية الجمال حتي خارج مواطن الجمال؟
وتتوالد الاسئلة مع رواية خيال ساخن لمحمد العشري ليظل العنوان ذلك الخيط الرهيف الرابط بين مختلف الأفكار في الرواية‏.‏ كم جميل أن يخرج القارئ مبللا باسئلة لا تقبل إلا الاسئلة جوابا‏.‏
آمال جبارة ـ شاعرة وكاتبة تونسية

الأحد، يونيو 21، 2009

الصورة السينمائية وسيميائية الواقع والمتخيل في 'خيال ساخن'


الصورة السينمائية وسيميائية الواقع والمتخيل في 'خيال ساخن'

مكتبة 'أكمل مصر' بالإسكندرية تحتضن مناقشة جادة لرواية 'خيال ساخن' للروائي محمد العشري.
ميدل ايست اونلاين:
الإسكندرية ـ عقدت مؤخراً ندوة جديدة لمناقشة رواية "خيال ساخن" للروائي محمد العشري، في مكتبة "أكمل مصر" بالإسكندرية। الرواية صادرة عن "الدار العربية للعلوم" في بيروت، ومكتبة "مدبولي" في مصر، ومنشورات "الإختلاف" في الجزائر।
شارك في المناقشة الناقد شوقي بدر يوسف، والشاعر أحمد فضل شبلول وأدارها الكاتب محمد العبادي.
في بداية الندوة أشار العبادي إلى أن رواية "خيال ساخن" هي رواية مختلفة لأديب مختلف، لأن محمد العشري كتب روايات ناحجة، لاقت رواجاً منذ صدروها، والتفت إليها الكثير من النقاد بمقالات نقدية في أماكن متفرقة من العالم العربي دون أن يعتمد على الوصفة الإعتيادية، والخوض في محرمات "التابو" الثلاث، وهي: الدين والجنس والسياسة، التي تملأ الروايات الحالية بشكل مزعج، وكأنها الطريق المختصر إلى تحقيق الشهرة والانتشار.
وفي مدخلة الناقد والشاعر أحمد فضل شبلول ركز فيها على "الصورة السينمائية في خيال ساخن" لأنه اطلع على مقالات نقدية عديدة عن الرواية، معظمهم لكتاب ونقاد من خارج مصر، ووجد أن عليه أن يدخل إلى الرواية من زاوية مغايرة، من خلال لمس الإبداع التحتي للرواية، لرصد الجهد الكبير المبذول فيها، ووجد أن أنسب المداخل التي تمس الرواية في عصبها هو إظهار بلاغة المشاهد السينمائية فيها، مستفيداً من المنهج النقدي لشاعرية الرواية الفانتاستيكية للناقد المغربي شعيب حليفي، الذي ينطبق على رواية محمد العشري، لأنه اعتمد في كتابتها على بلاغة الحذف، والإستفادة من تقنيات المعلوماتية، والفنون البصرية والتشكيلية، ويمكن تطبيق ذلك المنهج من خلال الدلالات العديدة المتوافرة في الرواية من الصور التشكيلية، ومشاهد الوصف، وحركة التنين الثوري، وظهور محرر العبيد "سبارتاكوس"، والصور الكاريكاتورية المجسدة، والصراع الداخلي للفنان، التاجر في نفس الوقت، وهزة الأسماك في الحوض الزجاجي، إرهاصاً للزلازل، والسرد بلغة سينمائية، وتناوب المشاهد بين الوعى واللاوعي، وحركة الكاميرا الظاهرة بين النهار الداخلي والنهار الخارجي، أو الليل الداخلي والليل الخارجي، وهي كتابة "سيناريو" جاهزة، يمكن أن تملأ وينتج عنها عمل سينمائي ضخم بسهولة، قائم على الثورية، وأنسنة الحيوانات.
وقال شبلول إن معالم البنية التحتية للرواية يمكن اكتشافها من خلال: الحلم، الفانتازيا، والأسطورة، في لغة صوفية باذخة، ويكمن للقارىء أن يلمس أن الرواية مؤسسة على تيمة عاطفية رومانسية، على الرغم من أنها ليست رواية اجتماعية، أو خيال علمي، أو سياسية إلا أنها قائمة على كل ذلك من خلال بلاغة الحذف والإختزال.
وبدأ الناقد شوقي بدر يوسف مداخلته النقدية، وورقته البحثية المطولة عن الرواية بعنوان "سيميائية الواقع والمتخيل"، قائلاً: إن رواية "خيال ساخن" لمحمد العشري عمل سردي متميز، يحتاج إلى رؤية نقدية نابعة من داخله، لأن الكاتب اعتمد على جزئية الأيقونة، أو الشفرة، والتناول النقدي عليه أن يفك تلك الشفرات، من خلال المظاهر السيميائية، وهي مدرسة نقدية منتشرة، لها صدى واسع في المغرب العربي، ويتجاهلها النقاد المصريون، ويمكن تطبيق ذلك المنهج النقدي الحديث على رواية "خيال ساخن" التي تعبر عن محاولة شرقية خالصة تبحث في مفهوم العشق، وطبيعة الإنسان، في فصول موسمية أربعة، هي: الأمل، الهيام، النافذة، والعناق.
وأضاف بدر أن المتابع لروايات محمد العشري، يجده من البداية في روايته "غادة الأساطير الحالمة"، و"ثلاثية الصحراء: نبع الذهب، تفاحة الصحرء، وهالة النور"، وانتهاء بروايته "خيال ساخن" محل المناقشة يعيد التوازن إلى الرواية المعاصرة، وربط الإنسان بأرض وانتماءات الحب والأمن، وتحديد أبعاد الواقع في التقارب الروحي والحسي، وسيميائية محمد العشري غالبة الحضور، بلغة ذات شاعرية خاصة، ومن العلامات المؤسسة لبنيته الروائية: أبجدية الصحراء الواضحة في رواياته، الأفكار المتميزة عن نهر النيل، وتحويل قضايا الواقع إلى صور وأخيلة، حتى يمكن القبض على حدودها، وإيجاد حلول للتغلب عليها، ومفارقة الحب والموت والحياة، والاعتماد على خيالات سردية محضة في تقديم بدائل للحياة، وهي تيمة تبناها الروائيون لخلق مجتمع جديد، وعودة للمدينة الفاضلة، لكنه تراجع قليلاً مع ظهور تيار الواقعية في الرواية منذ رواية فتحي غانم "مسافة في عقل رجل"، وانتهاء برواية علاء الأسواني "عمارة يعقوبيان" ليبتعد الإبداع الرواية المصري عما حققه من منجز سابق، لأنه ابتعد عن مضامين الجمال، والحق، والخير، وتفعيل دور الخيال في بناء عالم سردي، يعيد للإنسان إنسانيته في مواجهة الواقع الجهم.
حضر مناقشة رواية "خيال ساخن" العديد من الكتاب، منهم: حجاج حسن آدول، وحسين مهدي، والصحفي أسامة الرحيمي، إضافة إلى عدد من أعضاء منتدى "إطلالة" الأدبي، منهم: وسيم المغربي، إيمان السباعي، ومحمد رجب.
رابط ميدل إيست

الاثنين، يونيو 08، 2009

امتزاج الفن التشكيلي بالإبداع القصصي في خيال ساخن

رواية: خيال ساخن
امتزاج الفن التشكيلي بالإبداع القصصي
اليوم في جريدة العرب- لندن
محمد العشري
..
الفن التشكيلي له مكانة خاصة في روحي، لأنني بدأت مبكراً بممارسة الرسم في المراحل الدراسية الأولى، أذكر في المرحلة الإعدادية كنت شغوفاً بالقراءة في الفن التشكيلي، وبدأت التعرف على أجواء الفنانين والكتاب من خلال ذلك الإهتمام.
وفي حصص الرسم كان الزملاء والزميلات يهيلون عليَّ كراساتهم "بعد أن يخرج المدرس بالطبع"، لأرسم لهم، والمدهش أنني كنت أحب ذلك، وأرسم لكل زميل أو زميلة نفس الموضوع بطريقة مختلفة. وهناك موقف يمثل لي نقطة تحول، لا زال محفوراً في الذاكرة من بدايات المرحلة الثانوية، حين طلب منا مدرس الرسم أن نرسم لوحة عن "الثورة"، بشكل حر، ورسمت الموضوع كما ظهر في مخيلتي.
صورة:"مجموعة من الثوار العزل من الأسلحة، في مواجهة حملة البنادق من الجنود، والنار تنطلق على الثوار وترديهم قلتى في الميدان، والدماء تسيل تحت أقدامهم."وحين انتهيت من تلوينه بالألوان المائية، إذّ بالمدرس وهو يمر علينا يتوقف أمامي، ويأخذ ما رسمت من أمامه، ويحدق فيه طويلاً، ثم أخذني من ذراعي وذهبنا إلى مكتبه "مرسم المدرسة"، ووجدته يعلق ما رسمته على الحائط في مكان بارز، بعناية واهتمام، وسألني: هل تعرف "غويا"، لم أعلق، لأنني لم أكن أعرف ذلك الإسم في ذلك الوقت، ووجدته يخرج كتاباً ويفتحه على صفحة بها لوحة تنطبق تماماً على ما رسمته، مع اختلافات طفيفة في الألوان، وقرأت أسفل اللوحة "إعدام الثوار" للفنان الإسباني "فرانسيس غويا". من يومها صارت صداقة بيني وبين مدرسي الفنان كمال أحمد، الذي أمدني بالكثير في مجال الفن التشكيلي.واستمرت ممارستي للرسم خلال المرحلة الجامعية وحتى نهايتها، من خلال الإشتراك في النشاط الفني الجامعي، والمشاركة في المسابقات الفنية، وحصلت في تلك السنوات على عدد كبير من الشهادات (16 شهادة تقدير) والميداليات، قبل أن أتحول إلى كتابة الشعر، ومن شجرة الشعر الكثيفة والقصائد، أتسرب إلى أفرع القصة والرواية، التي انتهيت إليها كمشروع إبداعي أعكف عليه، ولا زلت أستفيد كثيراً في رواياتي بالرؤية التشكيلية التي تكونت لديَّ، ولا زالت تظهر ملامحها في كتاباتي، بوعي أو بدون وعي، ففي روايتي الأولى "غادة الأساطير الحالمة"، رسمت فصولها "36 فاصلة روائية" كل فاصلة في مشهد يعبر عما أود كتابته، قبل أن أكتبها، مما جعل عملية الكتابة تتم بسهولة، دون عناء، أو توقف، لأنها كانت مصحوبة بابتسامة تعانق ما رسمته.
ولا زال تأثير الفن التشكيلي يظهر في رواياتي، بأشكال متغيرة، بوابته تعتمد على الصورة، التي أود التركيز عليها في السرد، وإظهارها للقارىء، وهو ما حمسني أن يكون أحد أبطال روايتي "خيال ساخن" هو فنان تشكيلي، حتى أستطيع من خلاله التعبير بشكل أكثر شمولية، وحضوراً في فضاء السرد، وحتى تكون الصورة التشكيلية الحاضرة في المتن لها مبرر قوي، وأرض تتكيء عليها لتشكل وعي الشخصيات والأبطال في الرواية، لأن الصورة تعطي دلالاتها، وقوتها، بشكل أسرع، وأكثر تأثيراً ولمساً للروح، من صفحات كثيرة يمكن أن تمر على القارىء دون أن تلمسه أو تحرك ذهنه، وإحساسه بما يقرأ.تبدأ الرواية بمشهد في حديقة بيت التاجر وهو فنان تشكيلي في نفس الوقت بنقل كتلة صخرية منحوتة بفعل الزمن "أخشاب متحجرة" اكتشفها في الصحراء بعد أن فتنته بتفاصيل الحياة المتجمدة فيها، وأراد نقلها إلى فضاء بيته، لتستقر بين الأشجار الحية للحديقة. بعد مجموعة من الأحداث نجد فوقها تمثال صنعه المثّال لبطل الرواية "ساهر" وهو يصارع أسداً، ويخرج الماء ليصب في حوض النافورة من فم الأسد، ومن أفواه ضفادع منحوتة ومثبتة في الإطار الداخلي لنافورة الماء.
صورة:"أخبره برغبته في صنع تمثال لساهر وهو ممسك بفكي أسد، في حالة عراك، ليثبته فوق الصخرة، ويجعل الماء يخرج من فم الأسد، ومن أفواه الضفادع التي ترقد على حافة نافورة كبيرة تتوسط حديقة البيت".
وتنشأ علاقة حية بين جمانة "بطلة الرواية وابنة التاجر"، وتمثال ساهر، تظهر في صورة عديدة.صورة:"في ليلة من ليالي الشتاء أمطرت الدنيا بغزارة، خرجت جمانة مسرعة، ألقت بغطائين فوق التمثالين، عادت ترتجف، وقفت خلف نافذتها، تنتظر توقف المطر، لتخرج إلى حبيبها، تجفف البلل عنه وتبتسم، إلى أن سقطت من الإعياء".
وفي أحداث الرواية يعكف الفنان التشكيلي على لوحاته في مرسمه الخاص، ليرسم بعض اللوحات الفانتازية، من خلال رسم حيوانات خرافية، يرسم تنيناً مبتكراً وفي لحظات اندماج كامل، يخرج ذلك الكائن من اللوحة المرسومة، ويتحرك بحرية داخل السرد، لتنطلق وتشكل عوالمها الخاصة، المتشابكة مع عالم الإنسان في البناء السردي للرواية.
صورة:
"أمسك فرشاة، خط خطوطاً مختلطة الألوان، أبعد ما رسمه عنه ونظر إليه مستغرباً، رأى حيواناً غريباً يتحرك أمامه، خارجاً من اللوحة، جسمه الطويل مقسم إلى حلقات عرضية، رقبته مكسوة بشعر غزير، شكله تحول إلى تنين مرعب، النار تخرج مندفعة من فمه، لولا أن السقف عالٍ لحرقت ناره البيت، حاول أن يسيطر عليه فبدا الغضب على أطرافه، تركه يخرج من البيت ويتخطى البوابة، وقف أمام التمثال المثبت في النافورة فترة، قبل أن يعدو خلف الغبار، الذي تثيره الأرجل المسرعة، في اتجاه ساحة البيع والشراء".
* ورقة مشاركة في بينالي الثقافية الدولي الأول (اشتباك): "الصورة في الرواية" (1 يونيه 2009).
رابط جريدة العرب
صفحة 14

الخميس، يونيو 04، 2009

خيال ساخن.. في خريطة السرد المصري

المدى الثقافي: «خيال ساخن» ॥ فـي خريطة السرد المصري
سعد محمد رحيم- جريدة المدي العراقية
عرفت التجارب الحديثة للكتابة السردية في مصر، السبّاقة عربياً، تحولات عميقة، عديدة، في غضون مدة زمنية تقل عن القرن الواحد॥ تلك التحولات التي أصابت شكل السرد ومتنه.. الأسلوب والرؤية.. الموضوعات وطرق معالجتها.. كيفية استثمار عناصر السرد التقليدية، لاسيما الزمن، وكذلك المكان... موقع السارد ووجهة النظر.. فضلاً عن العلاقة المتداخلة بين الواقع والتاريخ كمرجعية أساسية من جهة وبين محاولات كسر سياقهما ونسقهما والوصول إلى ما ورائهما بقوة الرؤيا والخيال، من جهة ثانية। كان البدء، حداثياً، مع جيل محمد حسين هيكل الذي وضع، باتفاق كثر من النقاد ومؤرخي الأدب، اللبنات الأولى للرواية الفنية ليأتي نجيب محفوظ رائداً لجيل آخر، ارتقى بفنية الرواية وعزز أسسها.وكان من ثم جيل جمال الغيطاني وإدوار الخراط.. الستينييون الذين جاروا ثورة الشباب واليسار في العالم وتمردوا على سلطة الأب (بأبعادها المركّبة والمعقّدة) لإيجاد منعطف جديد، لا في مجال الفن وحسب، وإنما على صُعد الحياة كافة وقيمها وتقاليدها.هؤلاء مهدوا لمن أتى بعدهم (الأجيال اللاحقة) الذين حرصوا على تحديث فن السرد (القصصي والروائي) بما يوافق التغيرات الجارية في شؤون الحياة كلها، لاسيما موضع الإنسان في العالم، وطبيعة ماهيته وأفكاره وأحلامه ومشكلاته واغتراباته التي اختلفت عما كانت عليه قبل عقود قليلة. باختصار كان على الجيل الجديد التعاطي مع قيم جديدة (وجودية وفكرية وفنية) ليثبِّت مكانته إزاء الإرث العظيم الذي خلّفه السابقون الكبار، حيث أن بعضاً من أولئك الكبار(أطال الله أعمارهم) لا يزال يبدع ويطوّر تقنياته ورؤاه مزاحماً جيل الشباب في طرقات الحداثة.ومحمد العشري ينتمي إلى الجيل الأخير الذي انفتحت له آفاق أوسع (أو هكذا يجب أن يكون الأمر) لمواجهة مسائل الكتابة السردية والنظر من زوايا أُخر لمشكلات البشر والتاريخ. وهكذا بتنا نتوقع، نحن القراء، منه (الجيل الجديد) ما يفاجئنا ويدهشنا سواء في بناء اللغة والأسلوب أو الرؤية، أو في اختيار الموضوعات وكيفية معالجتها سردياً، وابتكار أنساق للسرد غير مألوفة، وتطوير الأنساق الشائعة منها. أي طرق في الكتابة تتجاوز ما عرفناها عند جيل الأساتذة. ولكن، هل حصل هذا حقاً؟. هذا السؤال هو ما كان يشغلني وأنا أقرأ رواية العشري الأخيرة (خيال ساخن/ الصادرة عن دار الاختلاف في الجزائر والدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت-2008) وأخشى أن يكون انطلاق مقاربتي للرواية من هذا التحديد العالي الذي وضعته لتوقعي سبباً في إعطاء أحكام قاسية عنها؟.يبدأ فعل الحكي في الرواية بضمير المتكلم. فجملة الاستهلال هي؛ «في حديقة البيت رأيت كتلة من شجرة متحجرة، باقية من الأزمنة الجيولوجية البعيدة» من هو السارد؟ لن نعرف قط.. وهو الذي سيعلمنا كيف عثر صاحب البيت: تاجر الغلال، على تلك الكتلة وجاء بها إلى حديقته لتكون عنصر جذب لحيوان شرس مفترس (السلعوة: أهي الكائن الخرافي ذاته الذي نسميه في العراق السعلوة؟!) يسكنها ويحبس الساكنين في الداخل لأيام قبل أن يأتي رجل يدعى ساهر ويفتك به.. هل السلعوة حيوان خرافي، أم حقيقي؟ للوهلة الأولى يبدو وكأننا في جو شبه أسطوري، أو نصف واقعي ونصف حلمي، إطاره التاريخي ممحو.. ينقلب السرد ليكون بضمير الغائب حتى فصل (النافذة) ص65 فيعاود الاستئناف مرة أخرى بضمير المتكلم، وهذه المرة حتى نهاية الفصل، وليتحول بعدئذ إلى ضمير الغائب حتى ختام الرواية.ترى ما هي المسوغات الفنية لهذه الانتقالات؟ وهل حققت هدفها الجمالي الذي لاشك في أن الكاتب كان يفكر فيه.يصرع ساهر السلعوة «ممسكاً بفكيها، أبعدهما عن بعضهما،جذبهما في اتجاهين مختلفين بقوة كبيرة، جعلت الحيوان يثور ويرفع صوته مزمجراً». وعلى هذه البطولة يستحق شكر وإعجاب أفراد الأسرة فيقومون باستضافته لعدة أيام في منزلهم قبل أن يغادر، إلى غير رجعة. وفوق الصخرة حيث قُتلت السلعوة سيعملون تمثالاً لساهر المنقذ، ثم تمثالاً آخر. ترعاهما جمانة ابنة التاجر التي كانت طفلة يومها، وتبقى تتساءل عن ساهر، حتى تلتقي ابنه مصادفة في رحلة مدرسية، وهي شابة، فتظنه هو (ساهر)، كما لو أن السنين لم تمر عليها وعليه!.نعود إلى ساهر الذي يسكن قرية متاخمة للمدينة، يستولي فيها على منصب العمدة بعد غياب الأخير.. يذهب إلى المأمور لتثبيت عموديته.. أثناء رجوعه يتسكع في الشوارع فيمر ببيت التاجر ويرى السلعوة ويقتلها. بتدبير من العمدة القديم العائد إلى قريته..بعد ذلك يجري الإيقاع بالعمدة الجديد بمؤامرة من العمدة القديم يشترك فيها تجار المدينة ومنهم تاجر الغلال/ الفنان.. ألم يخبرنا السارد أن المنقذ/ ساهر قد رحل إلى غير رجعة؟ إذن لماذا عمل له التاجر تمثالين في حديقة بيته إذا كان متآمراً عليه؟تنشأ علاقة حب بين جمانة والشاب ابن ساهر لتشكل المحور الرئيس للسرد.. ولا أعلم لماذا يظل الشاب بلا اسم حتى النهاية على الرغم من أننا نعرف اسم والده واسم حبيبته. وإذا كان الروائي يخبرنا الكثير عن شخصيته فإن الغموض حول حياته وتاريخه يتبدد شيئاً فشيئاً ولا يبقى محجوباً عنا سوى الاسم.. وبين الشد والجذب تتأرجح العلاقة بين العاشقين، حيث تصر جمانة لتعرف تفاصيل عن حياة الشاب وعائلته، ثم نجدها تتهرب من الإجابة على أسئلته «فكلما اقتربنا خطوة من بعضنا، أجد الكثير من الأمور المهمة التي تحتاج إلى تفسير، حين أسألك تهربين وتغيبين» مَن يهرب مِن مَن ولماذا؟. وأخيراً تبقى الإجابات معلقة ومرجّأة بفعل الطاقة البدائية الفائرة والخلاقة للحب.وهنا يستثمر الروائي مقدرته اللغوية الشعرية في وصف المشاعر والطبيعة والأحداث ومناجاة النفس والمعشوق والكون، وهذه قطعاً لا تخلو من مسحة جمالية رومانسية واضحة. غير أن مقاطع بكاملها يمكن الاستغناء عنها من دون أن يضر بتماسك الرواية. فهي في الغالب إنشائية، وتبدو غريبة على النسيج العضوي للنص، أو أنها بالأحرى غير موظفة لتكون جزءاً حياً، لا غنى عنه، في ضمن ذلك النسيج. والقارئ يشعر أن هناك ترهلاً في بعض المواضع على الرغم من قصر الشريط اللغوي للرواية، وهذا يضعنا مرة أخرى أمام معضلة التجنيس؛ هل ما كتبه العشري يعد رواية أم قصة طويلة؟شخصياً لست ضد الهالة الرومانسية للغة الكتابة السردية، بالعكس. فنحن في عالم تغلب فيه لغة العنف والقوة الغاشمة والسوداوية واليأس بأمس الحاجة إلى اللغة العذبة المتدفقة بشرط عدم الإفراط فيها كي لا تثقل النص الروائي وتترك فيه بقعاً فجة، وإلى الحد الذي تبدو فيه ثيمة الحب وكأنها منظورة من عقل مراهق قليل الخبرة. وربما أراد العشري أن يجعل شكل نصه والرؤية المتضمنة فيه متوافقين مع جوهر شخصية الشاب، ابن البيئة الفقيرة شبه الفلاحية ومحدود التجربة في مجال العلاقات العاطفية. وفي سبيل المثال تتكرر كلمة القلب مرات كثيرة، عشرات المرات جرياً مع النظرة التقليدية التي تتصور القلب، تلك المضخة العضلية، منبعاً للحب ومصباً له. وحتى لو عددنا الأمر مجازاً فهو مجاز أُستهلك كثيراً، ومنذ قرون طويلة، في الكتابة الأدبية. «ماء الحب المتدفق في قلبي دفعني إلى التريث» ص65. «ارتجف صوتها بعد أن شق قلبي نصفين» ص68.«فالقلب حين يحمل الإنسان على أجنحة الحب تتلاشى جاذبية الأرض» ص71، وهناك جمل كثيرة أخرى ترد فيها كلمة القلب. والنص في مشاهد عديدة منه، إذا ما نُظر إليه من زاوية التحليل النفسي، يبدو مثل خيالات وهوامات في تصور شاب حالم تعويضاً عن عجز واقعي.وما يمكن أن يؤخذ على الرواية، بهذا الصدد، هو استخدامه ضمير الغائب،غالباً، في عرض وجهة النظر واتجاه السرد بدلاً من ضمير المتكلم. وإذا ما نظرنا إلى الرواية من الخارج، لا من داخل النص، فإن ضمير الغائب يجعل موقعاً وموقفاً للسارد من الحدث يكاد يكون هو نفسه موقع وموقف الروائي، طالما كان السارد (الداخلي)، الذي يُفترض أن يكون موضوعياً/ حيادياً، يدلي بأحكامه وتقويماته مراراً حول الأحداث الواقعة والجارية.يتأرجح السرد بين محاولات ملامسة جلد الواقع وخدشه أحياناً، وبين التحليق فوقه بلغة حالمة حتى يتهيأ للقارئ وكأنه إزاء سياقين للسرد متوازيين ومتنافرين.. سياق الحياة الواقعية للشخصيتين الرئيسيتين وتاريخ عائلتيهما وسياق الانغمار في دنيا الأحاسيس المثالية، وكان يمكن للروائي أن يطوِّع كثراً من عناصر السرد وخيوطه التي أمسك بها ثم أضاعها بفعل الاستعجال، كما أظن.أما النهاية فجاءت تقليدية، لا تختلف عن نهايات مئات الروايات وكذلك مئات الأعمال الميلودرامية التي تعرضها الفضائيات والتي تجعل من الحب والصراع من أجله موضوعها.. الغني الذي يرفض تزويج ابنته من فقير، وإصرار الفتاة العاشقة على نيل الفوز بفتاها.وهنا، في (خيال ساخن) تلجأ إلى ذكائها فتنجح في إقناع والدها لتلحق بمن تحب إلى مدينة الألعاب، ولا ندري كيف عرفت أنه هناك، لتنبئه بالخبر السعيد.سعى محمد العشري في روايته هذه إلى تحديث أدوات سرده، وخلق إزاحة في البناء والرؤية. ولذا كانت انتقالاته بين ضميري الغائب والمتكلم.. بين ما هو معقول وما هو غير معقول.. بين ما هو يومي ومباشر وبين ما هو حلمي أو أسطوري.. كما أنه استطاع اللعب بالأنساق السردية عبر الارتداد بالزمن، وإعادة رسم الأحداث من زوايا ومنظورات مختلفة.. هذا النمط من الكتابة ينطوي على تهكم خفي.. سخرية مهذبة، إن صح التعبير، من تقاليد السرد، من أجل فتح أفق جديد له (للسرد) وابتكار تقاليد جديدة. فهل أفلح؟ننتظر من العشري ما هو أفضل، وباعتقادي أنه قادر على تقديمه لنا، هو الكاتب الشاب الذي لم يستنفد من طاقته وموهبته، حتى الآن، سوى الجزء اليسير.

الاثنين، مايو 25، 2009

مجادلة الــذات والعالـم معـاً في خيال ساخن

"خـــيــــــال ســــاخـــن" لــمــحــمـــد الــعـــشــــــري
مـجـــادلــة الــــذات والــعــــالــــم مــعـــاً
عصام راسم- جريدة النهار
في روايته الأخيرة "خيال ساخن"، الصادرة عن "الدار العربية للعلوم" في بيروت، بالإشتراك مع "مدبولي" في القاهرة، و"منشورات الإختلاف" في الجزائر، يركّز محمد العشري على الفانتازيا والأسطورة الخاصة، في تقديم عالمه الروائي، بشيفراته ودلالته المختلفة، لكنه لا يهمل المكان بمسمياته الحقيقية وتفاصيله التاريخية. بل نستطيع القول إن ما هو فانتازي وأسطوري داخل النص، قائم على أسس وبنية تاريخية، أي أن المنطلقات الرئيسية داخل السرد، مبعثها الحقيقي هو تاريخ المكان الذي تدور فيه الحوادث والذي يتحرك في أنحائه أبطال الرواية. إنها مناقشة الذات تجاه ممتلكاتها المعرفية، وموروثاتها التقليدية، ابتداء من المكان والزمان وانتهاء بالأحاسيس والمشاعر والأفكار. يحتفي الراوي بالمكان بشكل هامس، ويقدم من خلال السرد جانبا من تاريخ مدينة الفيوم بمعالمها ورموزها الحاضرة مثل: بحر يوسف، وادي الحيتان، بحيرة قارون، السواقي، أسطورة حتحور. وغيرها من أماكن تعكس تاريخ هذه المدينة العريقة. أيضا يقدم من خلال "الحكاية" تفسيرا تاريخيا لحواضر مدينة الفيوم، فنعرف مثلا لماذا سميت الفيوم بهذا الإسم، فحين أمر "عزيز مصر" في العصر الفرعوني يوسف الصديق بحفر بحر يوسف، وكان هذا المشروع الضخم يحتاج الى وقت طويل حتى يتم، إجتهد يوسف الصديق وبذل أقصى طاقته، إلى أن نجح في أن ينجز المشروع في وقت قصير جدا (استغرق شق البحر سبعين يوما فقط)، لذلك أطلق "العزيز" جملته التي صارت في ما بعد مسمى للمدينة. قال من شدة تعجبه لسرعة إتمام شق البحر الذي سمي باسم يوسف في ما بعد، أن هذا المشروع الكبير كان يحتاج الى "ألف يوم" حتى يتم انجازه. ومن هنا صارت هذه الجملة القصيرة "ألف يوم" مسمى رسميا للمكان، ولكن مع مرور الزمن تم دمج الكلمتين في كلمة واحدة فصارت "ألف يوم" هي "الفيوم" الحالية. على مثل هذا المنوال التأويلي المتهادي في نسيج النص بغير كلفة أو نيات سابقة التجهيز، يقدم محمد العشري مدينته في كثير من المناحي، وبأسلوب واعٍ هامس يتماشى مع حدة الوقائع في عمله الفني. نكتشف في نهاية الأمر، أن كثيراً من الأشياء والأماكن، على المستويين العام والخاص، تتلامس معنا يوميا ونألفها ونعتادها، ولكن لقربها منا الى حد الالتصاق، لا نفطن الى المعنى الحقيقي لتلك الأمور المحيطة بنا، وفي الوقت نفسه الى هذين الاقتراب والالتصاق. فهو لا يمنحنا الوقت الكافي حتى نستطيع أن نفكر أو نبحث عن معنى أو تفسير منطقي تاريخي لتلك الأشياء التي نكاد أن نتنفسها من فرط استخدامنا الحميم لها. وينطبق هذا على المكان والزمان، والمواسم والاحتفالات والاعتقادات، وعلى المعاني واللغة أيضا. وهذا منحى من مناحي الرواية، فهي تحاول أن تتصادم مع ما هو ماثل وثابت كأمر واقع، لتعيد تفكيكه وفهمه وصوغ وعي جديد لهذا الأمر الواقع الذي كنا نعتقد سابقا أنه يكاد أن يكون حلا نهائيا يصعب الاقتراب منه أو مناقشته. تحاول الرواية من خلال صناعة الفانتازيا والأسطورة الخاصة بها، أن تخترق الغلاف الفانتازي والأسطوري الرقيق الذي يحيط بمعطيات الواقع المعيش، وتحاول أيضا أن تقدم تفسيرا لبعض المعاني والمسميات التي قفزت إلينا عبر مسافات التاريخ البعيد وظلت بيننا من غير أن نتوقف أمامها لنفهمها أو نفسرها كما ينبغي. وكأنها تصنع الدواء من عناصر الداء ذاته. فهي تناقش ما هو خيالي في الواقع بأسلوبه، أي أنها تصنع الخيال الفني الفانتازي الموازي والمقابل لخيال الواقع الجامح أحيانا. وكذلك هي تجادل ما هو أسطوري، بأسطورتها الخاصة. بنسق تفكيكي غير تقليدي يقدم العشري قصة حب رقيقية تجمع جمانة بساهر. وكما أن البطلين يعتديان على الظروف الصعبة التي تحاول أن تباعد بينهما وينجحان في نهاية الأمر في تحقيق ذلك، أيضا تعتدي الرواية على الأنساق الأسلوبية التقليدية، وتقترح خيارها الخاص في طريقة القص. عبر التقطيع والتجزيء، وعدم الاهتمام بمنطق السرد التقليدي، تكتمل ثنايا النص بهدوء ودعة، لنصل الى نهاية الرواية ونحن نشعر بإشباع، وبأننا كنا مشاركين في عملية البناء ولم نكن سلبيين ونحن نتلقى هذه القطع السردية المنثورة بغير تراتب زمني أو مكاني معتاد أو مألوف. نشعر كأننا شاركنا في صنع لوحة فنية، تعتمد على "الكولاج".ومن خلال لغة تمتاز بالدفء والشاعرية، يتصاعد حس صوفي عميق يغلف الأفكار التي يطرحها الراوي، ويدعم أفق التساؤل ومحاولة التفسير التي تشغل البطل. فقلب المحب الحائر ساهر، وعقله، نجدهما مشبّعين بحالة من البحث والتقصي والوجد والوصال، وكل تلك المشاعر والأفكار المشوبة ببعض الشجن، لا يخص بها محبوبته جمانة فقط، بل هو، يتجاوز هذا الشعور الفردي، ليصل الى آفاق أعمق وابعد، تعانق الحياة والكون بأسره. تعتبر العناوين الخاصة لبعض فصول الرواية دلالة وافية لهذه الحالة الشعورية المتصوفة التي تنساب في الأوصال وتتخذ مسميات مثل: الهيام، النافذة، العناق. لا يكمن إدراك الوجد الصوفي في الرواية تمام الإدراك من طريق اللغة فقط، وإنما يمكن العثور عليه والتواصل معه من خلال الرؤية العامة للنص والرموز التي تتناثر في مساحة السرد.العنوان، "خيال ساخن"، يشكل مدخلا مهما للتواصل مع مستويات السرد المفتوح الذي ينتهجه الكاتب. فالسرد يمتطي الخيال الجامح ليكون إحدى "التيمات" الفنية الأساسية التي تطرح أفكار الرواية، وفي الوقت نفسه يقدم "عالما" هو في واقع الأمر بين الحقيقة والخيال، أو هو عالم فانتازي أسطوري يكاد أن يكون واقعيا وملموسا. وذلك يرجع إلى مهارة الراوي في مزج الواقعي بالخيالي، والقدرة على خلق أجواء وعلاقات رمزية تشتق دلالتها من هاتين التيمتين بدون أن يكون هناك خلل فني في البناء الدرامي الخاص بالنص. حكاية أو مجموعة من الحكايات يمكنك أن تصدقها، إن اعتمدت في أعماقك على خيالك الخاص، وعلى فانتازيا الواقع الذي ينتج في بعض الأحيان حكايات خيالية لا يكمن تصديقها أو قبولها بمنطق عقلي معتاد.تعتبر الرواية بحوادثها وتوهماتها اتفاقا ضمنيا بين الراوي والقارئ، وهذا يعتمد في الأساس على أن هذه الكتابة تعتبر دعوة محفوفة بالمزالق التي إن لم يستعن فيها القارئ بـ"الخيال الساخن" فقد تنزلق من بين يديه أمور كثيرة داخل النص، ويضل طريقه في اجتياز الوقائع حتى النهاية. إذاً لا تعتبر الفانتازيا من الأدوات المهمة فقط، داخل الرواية، بل هي إحدى أدوات القارئ حين يدخل بين ضفتي هذا النص حتى يدافع عن نفسه ضد الغفلة، وضد الخروج من بين طبقات النص بغير طائل.لطالما كان العمل الفني قطعة من الحياة المتخمة بالوقائع، والمثقلة بملهاتها ومأساتها معا. نقول إن عنصر الخيال يخرج من حدود النص الذي نحن في صدده، الى حدود قصوى، ليصبح مفتاحا أو أداة مهمة لفهم الواقع ذاته، الذي يمكننا أن ننجح في أعادة تشكيله والسيطرة عليه، إذا شحذنا "خيالنا" ووصلنا به إلى حدوده الساخنة الخلاّقة. لو عدنا إلى تيمة الخيال بمعناها الفني داخل الرواية لوجدنا أن الصراع يقوم بين أمرين مثيرين. الأول هو النص الذي يقدم خيالا يحاول أن يكون مثبتا كواقع، والثاني هو القارئ الذي يدخل في حبائل النص ويتحول تدريجاً من الواقع الفعلي، إلى فانتازيا النص ويصبح أحد مكوّناته بعد أن يكون قد تعايش معه وصدّقه. لنقف في نهاية المطاف أمام نص يقدم مدلولاته على أساس أنها واقع حقيقي معيش، وقارئ يتعرى من معطيات الواقع الملموس، ويدخل إلى فانتازيا أسطورية النص، ويصبح أحد أهم عناصره المتممة لأركانه، لتنتفي العلاقة المجازية بين النص والقارئ لتتحول إلى علاقة تبادلية، يمنح فيها كل واحد منهما، صفاته للآخر.

الثلاثاء، مايو 19، 2009

الحكاية والدلالة في رواية (خيال ساخن) لمحمد العشري

مقتطف من مداخلة الناقد محمد خفيفي
عن "خيال ساخن" في ملتقى الرواية المصرية المغربية
في مختبر السرديات بكلية الآداب بالمغرب
..
عن "الحكاية والدلالة في رواية (خيال ساخن) لمحمد العشري" والتي اعتبر فيها الرواية تجربة إبداعية لا تعلن القطيعة مع إنجازات الروائي السابقة، غير أنها تفتح للقراءة أفقا ثريا نستطيع من خلاله الكشف عن توجه جديد في مسار التجريب الروائي المرتهن لاستحضار الأسطورة والحكاية الشعبية।لم يعتد الخيال أن يقرن في اللغة العربية بصفة ساخن، بانتقاء هذه الصفة يتحول العنوان إلى استعارة كبرى تتجسد صورها على امتداد النص الروائي من خلال انزياح عن الواقع تعطى فيه مساحات لتمظهرات العجيب। فالرواية تشيد متنها الحكائي انطلاقا من هذا التقابل بين الواقعي والعجائبي، وهو ما يجعل السرد لا يعرف وتيرة الاستقرار। بين الإهداء والمفتتح وعناوين الفصول الأربعة ينهض معجم وجداني دال لا يمكن إغفاله في تشكيل العوالم المحيطة بتكون النص وسيرورته। فتيمة الحب بين جمانة وابن ساهر سند حكائي متوهج ببحث الذات عن نصفها الثاني داخل منظومة يتحول فيها الكون إلى نسق منتظم متناغم مع كل المخلوقات التي تتعايش فيه।تيمة الحب في الرواية مقرونة بفعل بطولي حققه ساهر حينما صرع "السلعوة" وأنقذ عائلة محاصرة بالخوف من الهلاك، فعل يمتد لمساءلة مفهوم البطولة ودلالاتها الرمزية في واقع أصبحت فيه ।
منعدمة
..
وقائع ثلاثة أيام في الملتقى الثاني للرواية المصرية المغربية الذي يدور حول الرواية وأسئلة التخييل والمجتمع.

الخميس، مايو 07، 2009

ملف عن "خيال ساخن" في الكتابة الجديدة

رواية "خيال ساخن":
يحتفي موقع الكتابة برواية خيال ساخن للروائي والناقد المصري محمد العشري، في أول ملفاته منذ إطلاقه، الموقع الذي يحمل شعار "موقع الكتابة العربية الجديدة"، يقدم ملفا خاصا عن الرواية التي لقيت احتفاء نقديا منذ صدورها، وصدرت في ثلاث طبعات متزامنة في نفس الوقت من ثلاث دور نشر مختلفة في ثلاث دول عربية.
ويقدم الروائي محمد العشري في مطلع الملف شهادة حول تجربته الروائية وقراءة للمشهد الروائي الراهن معلنا أن "المشهد السردي يغلفه الضباب"، كما يقدم الموقع حوارا مع العشري أجراه خالد بيومي حول الرواية يعلن موقفه فيه من كتابة القصة القصيرة " وقعت في غواية الرواية"، كما يقدم الموقع الفصل الأول من رواية خيال ساخن بعنوان "الأمل".
ويقدم الموقع اختفاء نقديا خاصا بالرواية، فتكتب مايا الحاج "«خيال ساخن» لمحمد العشري... مصر هبة النيل... أم ضحيته؟"، وتكتب الإعلامية الكبيرة فوزية سلامة مقالا يحمل اسم الرواية، وتكتب أميرة بهي الدين دراسة بعنوان "خيال ساخن ... رواية متميزة لمبدع خاص جداً"، أما محمد العمودي فكتب ""خيال ساخن" أرجوحة القارئ بين الأساطير والواقع" أما هشام الصباحي فيتكب عن "تأسيس واقعية سحرية عربية في خيال ساخن"، وتكتب سندريلا مرهج عن ""خيال ساخن" لمحمد العشري تعمق في البحث عن الذات"، ويتناول محيي الدين إبراهيم "الوطن والثورة في رواية خيال ساخن"، وتكتب شيماء عيسى عن ""خيال ساخن" أجواء أسطورية للمحبين في الأرض".
كما يقدم الملف تغطية لندوتين حول الرواية مؤخرا الأولى كانت في ندوة أدب ونقد بحزب التجمع المصري والثانية في قصرالأمير طاز بالقاهرة الفاطمية.
يذكر أن موقع الكتابة، يرأس تحريره الشاعر المصري محمد أبو زيد، وتم إطلاقه أول إبريل الماضي تحت شعار موقع الكتابة العربية الجديدة، ويعد أول موقع ثقافي مصري يهتم بالإبداع العربي ويتم تحديثه بشكل يومي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
عنوان الموقع:
www.alketaba.com
للمراسلات : editor@alketaba.com

الاثنين، مايو 04، 2009

المغرب يقرأ روايات مصر الرومانسية




المغرب يقرأ روايات مصر الرومانسية


عزة حسين - جريدة الشروق




«الرومانسية والتخييل فى نماذج من الرواية المصرية والمغربية»، هو عنوان الملتقى الثانى للرواية المغربية المصرية منتصف شهر مايو. الملتقى ينظمه مختبر السرديات بالدار البيضاء، بالتعاون مع المندوبية الإقليمية لوزارة الثقافة بمدينة «شفشاون» المغربية، ويناقش فى هذه الدورة عددا من النصوص المصرية المتميزة لأجيال مختلفة من المبدعين، هى: «العاشق والمعشوق» للمبدع الراحل خيرى عبدالجواد، «صمت الطواحين» للراحل يوسف أبورية، «أحمر خفيف» لوحيد الطويلة، «أول النهار» لسعد القرش، «نبيذ أحمر» لأمينة زيدان، «تغريدة البجعة» لمكاوى سعيد، «خيال ساخن» لمحمد العشرى، «مواقيت الصمت» لخليل الجيزاوى، «هدوء القتلة» لطارق إمام، «الرسائل» لمصطفى ذكرى، «بابل مفتاح العالم» لنائل الطوخى، «كل أبناء الرب» لسيد عبدالخالق، «قبلة الحياة» لفؤاد قنديل، «عمرة الدار» لهويدا صالح، و«إنى أحدثك لترى» لمنى برنس. ومن المغرب تشارك روايات: «حيوات متجاورة» لمحمد برادة، «هموم بطة» لأحمد المدينى، «زاوية العميان» لحسن رياض، «حلم بين جبلين» لمحمد غرناط، «موسم الكرامة» لعقى النمارى، «الطائر الحر» لهشام مشبال، «بدو على الحافة» لعبدالعزيز الراشدى، و«مخالب المتعة» لفاتحة مرشيد. يذكر أن الملتقى الأول قد عقد بمدينة «شفشاون» أوائل مايو الماضى، فى محور بعنوان: (الرواية وتقاطعات المتخيل: قراءات فى نصوص مغربية ومصرية)، قبل أن يتم تدشينه كتقليد سنوى ترعاه مؤسستا «مختبر السرديات»، والمندوبية الإقليمية لوزارة الثقافة بـ«شفشاون»، ويهدف إلى مقاربة الإبداع الروائى المغربى والمصرى من خلال نصوص تمثل كل الحساسيات الجمالية فى البلدين.
رابط جريدة الشروق

الخميس، أبريل 23، 2009

خيال ساخن لمحمد العشري.. تعمق في البحث عن الذات

سندريلا مرهج
خيال ساخن لمحمد العشري.. تعمق في البحث عن الذات

سندريلا مرهج - بيروت


أنهيت لتوي قراءة رواية "خيال ساخن"، للروائي المصري محمد العشري، الصادرة حديثاً في بيروت لدى "الدار العربية للعلوم"، سهرت معها الليل، وأكملتها في الصباح، قرأتها ببطء وتأن لأنها تفرض ذلك على القارئ، في بداية الرواية لاحظت ثمة تأثر بباولو كويهلو، وروايته "الخيميائي"، وسررت عندما وصلت لصفحة في "خيال ساخن" يذكر فيها العشري رواية "كويهلو" في سياق السرد، أعجبت بصدق الكاتب। وفي هذه القراءة أقدم رؤيتي للرواية। أولاً، بالنسبة للمضمون: في "خيال ساخن"، فكرة عميقة، بحث فلسفي أو نفسي أو ما ورائي، بحث في الطبيعة "طبيعة الإنسان وطبيعة الكون"، فيها إحساس أقرب إلى أن يكون علمي ونفسي، أحببت السرد، وأعجبني الوصف، أحببت ربط الكاتب للطبيعة بحياة الإنسان، أحببت وصفه لقوة الخيال، وتأثيره بالبشر، والحجر، وتأثيره على العقل، هي ليست برواية فقط، لأن كل صورة فيها تصح لتعليق إنطلاقاً من علم معين، فيها ركّز العشري كثيراً على خيال الشاب واختصر قليلاً خيال الأنثى، وهو معذور لأنه بالنهاية رجل. أحببت الضعف الذي وصف به الفتاة العاشقة، ضعفها في الحب، فهي غابت مع البطل عن الوعي أكثر من مرة، وهذا حقيقي في طبيعة الأنثي، رغم الكلام عن مساواة المرأة بالرجل، ففي الحب تغيب الفتاة عن الوعي، وتسبح في رحلة لا وعيها، ونجدها قد تسلقت الجبل في النهاية لتعكس قوية البنية والعقل في أمور الدنيا.أحببت أسلوب الروائي في الوصف الدقيق، لكنه بالغ أحياناً من الإكثار في وصف الطبيعة، رغم أنه أوصل رسائل بها كل مرة، وذلك ربما يصيب القارىء ببعض الملل. أحببت التفاصيل و المعاني التي قدمها للقارئ، كنت أبحث في الكتاب عن فقرات يكثر فيها الحوار حيث تدع للقراءة حرية التصوير فكانت قليلة، ووجدت بدلاً عنها أنه تعبيراً بالصمت، بالصمت أحيانا وصف. رواية "خيال ساخن" فيها عمق كبير، وشخصياً أحببتها، لأنها رواية تجعلني أحتفظ بها، وأعطيها يوماً لأولادي لكي يقرأوها، فيها تنبيه لخطورة الخيال الساخن. أحببت الكتاب لأنه جعلني أجد أن كل علاقة حب مررت بها ما هي الا نسجً من خيالي॥ أنهك قواي بموهبته الإستثنائية، وتعمقه في البحث عن الذات.ملاحظاتي على الرواية: وددت وصف أقل للطبيعة والحيوان وحوارات أوسع. بالنسبة للشكل: لم تعجبني صورة الغلاف فهي صورة فتاة حالمة ضعيفة، و"خيال ساخن" أبعد من ذلك، وددت لو كان على الغلاف صورة تعبيرية مجازية تتيح للخيال مساحة من قراءة المضمون، ولي عتب صغير بالنسبة لبعض الجمل الطويلة التي كثر فيها "أن॥، والفواصل"، مما يستدعي قراءتها مرتين.تلك كانت قراءة سريعة في خيال محمد العشري الساخن، ولابدّ من أنني سأقرأها مرّة ثانية لا لجملها بل لجمالها. ويمكنني القول أن "خيال ساخن" رواية عشقها خيالي، أغنت روحي، ومتّعت نظري، وجعلتني أبتسم مع قلبي، أخذتني، إلى عالم فيه الكثير من الطهارة، والإبحار في الإبداع اللانهائي.


الثلاثاء، أبريل 07، 2009

غادة الأساطير الحالمة.. طبعة عربية جديدة

جدة : المحرر الثقافي
صدرت حديثاً طبعة عربية جديدة من رواية "غادة الأساطير الحالمة"للزميل الروائي المصري محمد العشري عن "الدار العربية للعلوم" في بيروت، وهي الرواية الأولى للكاتب، وقد صدرت في طبعتها الأولى بالقاهرة عام 1999 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة. جاء في كلمة الناشر على الغلاف جزء من مقال نقدي للناقد الدكتور محمد حسن عبد الله:"تأتي أهمية رواية "غادة الأساطير الحالمة" التي يجب أن يستفاد منها كثيراً الآن، لأنها محاولة وبحث جديد، تخرج عن الطريق المألوف للرواية العربية، وطريق نكتشفه للرواية العربية في زمن قادم، وذلك يقودنا إلى سؤال مهم: ما الطابع العام للرواية التي تسود الآن، وبصفة خاصة بين الشباب؟ والجواب هو: أن الخطوط التي تسير روايات هذه الحقبة في مجرياتها، إما أن تكون رواية سياسية مباشرة، تصطنع المعارضة وتعلن الرفض السلبي، وإما كتابة تعتمد على المجاهرة بمحرمات الجنس والاستهانة بأصول الدين، وإما كتابة مغلقة على نفسها لا تكاد تفهم احتماء بغموض الرموز واستغلاق الهدف. كان هذا كله البديل للرواية التقليدية، البديل للنقد الاجتماعي أو للقصة الاجتماعية التي كانت سائدة عبر الخمسينيات والستينيات، جيل نجيب محفوظ في ثلاثيته، وما شابه، ومحمد العشري غَيّرَ نمط الرواية الاجتماعية لكنه لم يدخل في صيغة الهجاء السياسي، ولا الكتابة الجنسية، ولا الاستهانة بالقيم الدينية، ولا الضبابية، وبهذا يكون قد فتح لنا طريقاً جديداً واتصل بالتراث في شكل فني جديد، إضافة إلى أنه يقدم تجارب غرائبية جديدة ومدهشة، وهو في بدايته الإبداعية، ويكتب بأسلوب شعري رائق وجميل.إن هذه الرواية: "غادة الأساطير الحالمة" محاولة أولى لكاتبها الشاب محمد العشري، وإنني لأرى فيها بداية قوية مبشرة، دالة على اتجاه فني ينتسب إليه ويؤطر إبداعاته القادمة التي سيتميز بها لاحقاً بأنه كاتب مبدع، يملك مشروعاً، ورؤية، وأسلوباً، وهذا ما نطمئن إليه، ونتوقع الكثير من إلهامات خياله الشعري المتوهج..". للروائي محمد العشري العديد من الروايات، منها: "نبع الذهب"، "تفاحة الصحراء"، "هالة النور"، و"خيال ساخن". كما حاز على العديد من الجوائز عن رواياته، منها: جائزة نادي القصة في الرواية "1999"، جائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة "2000/ 2001"، "جائزة إحسان عبد القدوس "2008"، وجائزة وكالة سفنكس في أدب العشق "2009"
جريدة البلاد

السبت، أبريل 04، 2009

تفاحة الصحراء النائمة


مقال الصحافية والكاتبة جميلة عمايرة عن رواية "تفاحة الصحراء" في جريدة الرأي الأردنية


كتبت جميلة عمايرة:

في تفاحة الصحراء النائمة يتجرد الروائي المصري محمد العشري، ويتجه نحو الصحراء، عاريا من كل شيء سوى حسه العلمي الدقيق، وقلمه الذي قادة لمعاينة المكان ومحاولة قراءته بعينين من هذا الزمن।
يتجه للصحراء بفضائها الللامتناهي، رغم مما يحيط به من مخاطر كامنة قد تطلقها الصحراء في وجهه في أية لحظة، فهي غولة، كل شيء فيها متناثر بلا هندسة أو تخطيط، بدءا من شمسها الحارقة وطيورها وحشراتها وأشجارها القليلة المتناثرة التي بالكاد تقاوم الجفاف، وانتهاء بألغامها النائمة منذ الحرب العالمية الثانية.
تبدأ أحداث الرواية من هنا، من هذه الصحراء الشاسعة البريمة وصولا للعلمين، المدينة التي دارت فيها المعركة الشهيرة في الحرب العالمية الثانية.
الرواية التي جاءت في 88 صفحة من القطع المتوسط، توظف أحداث التاريخ لمعاينة حاضر المنطقة، عبر شركة نفط كبرى توظف المهندسين والفنيين بمعدات حديثة ضخمة لاستكشاف النفط في الصحراء. وتبرز شخصية الشيخ الصحراوي عبد الرحمن الذي كان طفلا خلال الحرب العالمية الثانية، فهو يعرف المكان أكثر من غيره، ويعمل ابنه بالشركة في الوقت الحاضر. يستدل الشيخ بذاكرته إلى المنطقة التي زُرعت بالألغام، والتي تهدد المزارعين الذين يعتاشون بزراعة الحبوب في منطقتهم، حيث كانوا يعملون بعد الحرب في الكشف عن مكان الألغام، مقابل نصف جنيه ، في مهنة قضت على كثير من سكان الصحراء. حيث تشتمل على أكبر حقل ألغام بالمنطقة. أكثر من 1500 ألف لغم متأهب للانفجار بشكل دائم، إذ زرع رومل هذه الألغام منذ المعركة الشهيرة في العلمين.
تلك هي أجواء الرواية التي تعاين الصحراء بفضائها الواسع، والتحولات التي صاغت مستقبل المنطقة وما آلت إليه عبر أحداثها الماضية التي ما تزال مؤثرة حتى يومنا هذا.
تميزت تفاحة الصحراء بفضائها المغاير لذائقة المتلقي، وباللغة المكثفة والمختزلة للذهاب إلى أماكن تبدو للوهلة الأولى لا تصلح لأن تشكل عملا روائيا، لكنها على العكس تمتلك المقومات الفنية لأن تكون ثيمة روائية غنية.
إلى جانب الحكاية الأساس، يستحضر الروائي حكايات صغيرة كثيمة هامشية تستند في تفاصيلها للحكاية الأساس، مثل حكاية الحب بين البدوي والإنجليزية ماكسويل ، وإن كانت غير واضحة أو مقنعة كحدث روائي، وحكاية المقبرة التي تضم رفات الجنود الذين قُتلوا أو فُقدوا في معركة العلمين، لتتكشف خطابات داخل المتن الروائي مثل السياسي والتاريخي.
أعلن موسوليني مؤازرة النازي ودخول البلاد الحرب طمعا في التحكم في البحر الأبيض المتوسط وقناة السويس، لأنه رأى أن من يتحكم في هاتين البوابتين يستطيع أن يجذب ذلك الحبل ويشد الحذاء من قدم أوروبا (ص 24).
يبرز في الرواية الحس العلمي والتحليلي للصحراء، ومعرفة نباتاتها وحشراتها بأسمائها، والسكان الذين تعاقبوا على السكن في البريمة تحديدا. وقفت حشرة طائرة في طريقها إلى جحرها الرملي متطفلة على سنام الجمل المبير، الذي يتقدم القافلة المتجهة إلى البريمة، أرادت أن تشاغبه قليلا قبل أن تذهب إلى بياتها، فتردد صوتها وعلا فوق رؤوس الجمال، انكمش السنام ونبسط مرات عدة، محاولا طرد تلك الغريبة المشاغبة التي التصقت به (ص 23).

الجمعة، مارس 27، 2009

خيال ساخن.. الكتاب المثالي للقارىء


تقرير عن خيال ساخن في موقع جود نيوز
موقع جود نيوز/كتاب جديد/خيال ساخن

خيال ساخن: الكتاب المثالي للقارىء

في روايته الجديدة "خيال ساخن" يأخذنا المؤلف محمد العشري إلى عالم خاص وجذاب يجمع بين الواقع والخيال بشكل ساحر يجتذب القارئ، ويسبب له الحيرة في الوقت ذاته حيث لا يمكنه فصل الأحداث الواقعية عن الخيالية في هذه الرواية القصيرة। في الرواية نجد مجموعة من الشخصيات الغريبة التي تهرب من الواقع بتصرفات ومشاعر غير واقعية، ومنها الفتاة "جمانة" الرومانسية التي تخلق لنفسها عالما خاصا وتشعر بمشاعر حب اتجاه البطل الذي تصورت نفسها تعرفه بينما الحقيقة أنه لا توجد معرفة بينهما، فقد اكتفت بمعرفتها الذاتية به في عالمها الخاص. وهناك أيضا الفتى الذي يتزوج والده من فتاة صغيرة السن، ثم يموت تاركا لابنه مسئولية جديدة تلقى على عاتقه، وهي الطفل الصغير الذي أنجبه قبل وفاته والذي يحتاج لرعاية وعناية من شقيقه الأكبر، مما يجعل الفتى يهرب من المسئولية إلى عالم الخيال والحب الذي يشعر به نحو فتاة جميلة. يرى النقاد أن هذه الرواية هي الكتاب المثالي للقارئ الذي يحتاج لقليل من الراحة بعيدا عن صخب الحياة اليومية ومشقتها وقبحها في كثير من الأحيان، حيث ستأخذه هذه الرواية لعوالم ساحرة وغريبة تجمع بين الحلم والحقيقة، وتدور أحداثها ما بين التاريخ والصحراء والخيال والبشر ومشاعر الحب الراقية لديهم.
رابط التقرير في موقع جود نيوز

الثلاثاء، مارس 03، 2009

رحلة بين متاهات الصحراء العربية وحكاياتها المنسية


تفاحة الصحراء.. لمحمد العشري
رحلة بين متاهات الصحراء العربية وحكاياتها المنسية

كتب: معن الجيزاني- جريدة العرب الدولية
شاعر وناقد عراقي
..أنا مؤمن تماماً، وبيقين حقيقي، بأن للروائي محمد العشري موهبة كبيرة وعميقة، لعل تفاحة الصحراء لم تجسد إلا اليسير منها، ولعل العشري الآن هو غير العشري 2000 (زمن كتابة الرواية)، وأنا أدرك هذا الأمر تماماً، فالموهبة في بدايات إحتكاكها تنضج بسرعة كبيرة جداً، ويظهر التفاوت في مستواها من خلال عدة أشهر لا عدة سنوات، ويخيل لي بأن الكاتب نفسه سيقدم الكثير من الملاحظات على نتاجه الشخصي بعد زمن غير محدد من كتابة ذلك النتاج، هذا ما يحدث لي شخصياً وأعرفه عن الكثير من الكتاب الذين أحتك بهم عن قرب.. لهذا كانت القراءة الأولى لرواية" تفاحة الصحراء" خاصة بالتركيز على إشكالية اللغة، وهذه القراءة الثانية أركز خلالها على مستوى السرد وقيمة الحدث التاريخي في الرواية وإنعكاسه على دور الشخصيات في النص.
كانت المنطقة الجغرافية التي إستغلها الروائي محمد العشري لصناعة أحداث "تفاحة الصحراء" منطقة خصبة لبناء سرد متراصٍ يجتمع فيه المكان والزمان والحدث في بناء مشهده الروائي الطويل... فالمكان كان منطقة نائية في الصحراء الغربية.. الزمان: منتصف الأربعينات.. والحدث: الحرب العالمية الثانية... والعشري كروائي متمرس، كان ناجحاً في توظيف هذا المناخ في أجواء بيئة الريف المصري من جهة علاقته بالحدث وإنعكاس ذلك الحدث على الشخصيات المختلفة سواء تلك البسيطة الساذجة والهامشية أو تلك الرئيسية المتفاعلة مع الأحداث.
من خلال السرد، لم تكن الشخصيات هي المحرّك الفعلي للحدث، بل كانت تتناوب حسب أهميتها في التفاعل معه... كان التاريخ وحده ممثلاً لذلك الحدث.. رومل ومنتغمري والاحتلال البريطاني لمصر.. إنعكاسات ظروف الحرب التي نقل العشري شراستها على الورق بإغراق توثيقي ممتاز وتأثيرها الغير مباشر على مسار حركة الشخصيات في الرواية.... كان العشري موفقاَ بدرجة كبيرة في نقل مشاهد الحرب وبلغة مراسل حربي متمرس.. في سرده للمعارك وللحصارات ولمعارك المدفعية وللانهيارات العسكرية وتوازن الجبهات ومناطق الزحف ومواقع التقهقر غير متجاوزٍ للتوقيتات والتواريخ والأعداد التي كان يذكرها جازماً بأدق الأرقام... حتى مشاعر القادة.. والعبارات التي تعبر عن إنكسارهم في المواقف الحالكة كان العشري معنياً بتوثيقها ومحاولة دمجها في أحداث الرواية على شكل فواصل درامية لها وقعها القوي في خضم السرد.
ما أثار إستغرابي في علاقة المكان بالحدث، هو إن العشري لم يتحدث عن علاقة المكان بأطراف الحدث.. من حيث إن هذا الجانب كان صميمياً لدرجة لا يمكن تجاوزه في تفاصيل بسيطة كانت تطغى عليها في الغالب الأعم تقريرية لا أساس لها في السرد.. فمشاعر المكان - وأقصد به الشخوص التي مثّلت سكان القرية - لم تكن تحمل أدنى ملمح شعوري تجاه الغريب المحتل، إذ كانت تلك الشخوص مرتبطة بعلاقة روتينية تكاد ترتقي في بعض الفصول إلى الحميمية بجون وشاوصن وماكسويل، علاوة على تقديم علاقة عاطفية حميمة ربطت عبد الرحمن بالملازم دونا ماكسويل والتي أوصلت عبد الرحمن إلى نهاية هامشية في الرواية بعد أن عانى على إمتداد السرد من ذلك الحب القاتل.. وقدم كذلك علاقة صداقة آمنة وطبيعية بين المهندس تامر وجون اللذان جمعتهما رحلة صيد لم يستغلها العشري لإثارة حوار مدورس يحمل من الإيحاء والرمزية ما يسد بعض هذا الفراغ النفسي الذي ظل فراغاً كبيراً في الجانب السياسي من المشهد.. بينما قفز العشري إلى تقديم مواقف تقريرية تتحدث عن الإستقلال والتخلص من الإحتلال حينما تحدث عن مواقف المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية والوطنية فبدا هذا القفز إلى تحديد مواقف معينة منقطعاً تماماً عن أي أساس جماهيري كان يمكن أن يقدمه من خلال المكان وسكان المكان الذي إختاره كبيئة يبسط على امتدادها حدثه التاريخي الكبير.
بقي أن أشيد بالجهد الكبير الذي قدمه الروائي محمد العشري في هذه الرواية ونجاحه في توثيق المادة التاريخية بجعلها أساساً فنياً لسرد مناخ إجتماعي متكامل حرص على تقديمه متنوعاً وثرياً، كذلك خوضه في تقديم علاقات متشعبة ومختلفة الإتجاهات والميول كان يشكل إثارة حقيقية دعمت الرواية بشكل كبير وأسهمت في تعزيز قوة حضورها السردي لدى المتلقي.

الأحد، فبراير 22، 2009

فوزية سلامة

مقال عن خيال ساخن بقلم: الكاتبة والإعلامية فوزية سلامة بجريدة الشرق الأوسط
(مذيعة "كلام نواعم" في إم بي سي)




خيال ساخن
قدر الانسان هو ان يظل دائما متأرجحا بين روحانيته التي تغشى وجوده فتدفعه للتخلص من شوائب الماديات أملا في الوصول الى حالة اكتمال متصل، ومادية الجسد الذي لا ينفصل عن جاذبية الارض، وهموم البقاء والخوف من الفناء. وربما يكون الفرق بين الفلسفة كمنهج والادب كحرفة هو الموقع الوسط الذي يتخذه قارئ الرواية لأنها عمل فني يطل على الفلسفة من نافذة انا افكر اذن انا انسان. وكلنا يعلم ان الانسان مخلوق من طين.
ولكن ما يؤسف له حقا هو ان زمننا هذا لا هو زمن الفلسفة ولا زمن الرواية. فنحن لا نعيش زمن التفكير بل نعيش لنأكل ونلبس ونلهو ونبحث عن المتعة المسموعة والمرئية وان قرأنا نبحث عن خبر يفرغ لدينا شحنة ثم نستأنف حالة النفس المبهور. آيات الخلق لا تنفك تبهر وتنتصر. والدليل على ذلك ان قلة القراء بعد انتشار الفضائيات والانترنت لم تقض على رغبة المبدع في التواصل والتعبير عن فلسفة الحياة متمثلة في تفاعل الانسان مع البيئة والظروف. لقد فرغت توا من قراءة رواية «خيال ساخن» للاديب الشاب محمد العشري. وما ان وصلت الى الصفحة الاخيرة حتى وجدت نفسي ابدأ قراءة الرواية من جديد في محاولة لفك الخيوط والرموز وتحليل المعنى وتحديد الهدف. في 110 صفحات لملم العشري انسانيته المصرية في رسالة لقارئة تقول أنت هنا على هذه الارض منذ آلاف السنين ترهلت من انتظار المنقذ، احيانا يفيض بؤسك وينسكب فتصدر عنك آهات وهمهمات ثم تعود الى حالة الكد والانتظار. ابطالك شذرات من وحي خيال جائع ومخاوفك ذريعة لاستمرار حالة الركود، تغني للنيل وكأنه هبة ولا تدرك ان انسيابه المتصل علمك التواكل وكأنه قدر.
انظر حولك تر الارض الجافة: «قطيع من الاغنام يرعى في أرض جافة، تتناثر فيها من بعيد جذور متهالكة، والراعي يتوسط القطيع ويغني، فاردا عصاه على كتفيه، قابضا عليها بكفيه من طرفيها، وفي الخلف يقف الذئب، شارعا رقبته لأعلى».
السياق الروائي تنويعات من عالم الفانتازيا على صورة تتداخل في تفاصيلها مرجعية واقعية. انظر جيدا تر الاب والام والابن والابنة، وتر المعلم والتلميذ، العاشق والمعشوقة، التاجر والمشتري، السيد والمسود. انها حكاية محملة بمخزون ثقافي جغرافي ضارب في جذور تاريخ المصريين. فمن ابي زيد الهلالي تتناقل سيرته الاجيال، لحسن الحلو مروض الاسود في السيرك وغيرهما. كل هؤلاء يصبون في وعاء واحد هو الانسان الباحث عن الذات. حين تسأل من تكون تبدأ رحلة في اغوار الماضي لا يمكن ان تقطعها وانت مغمض العينين. فالمبدع يقول لك انتبه والا اضعت الطريق. كل ما تراه هو جزء منك وكل ما تخافه يعرقل مسيرتك نحو الحالة المثلى حيث يكتمل وجودك كإنسان.
خيال ساخن فانتازيا تعقد صلحا مع واقع مريض. ولكنه قابل للشفاء. فما هو الدواء في عالم العشري؟ انه طاقة الانسان للبحث عن معنى الاشياء وعن اكتمال يحققه التحام الرجل مع المرأة التوأم، ونبذ الخوف لكي يتحقق وضوح الرؤية.رسالة العشري هي اننا نخلق الاسطورة ثم نلوذ بها، ثم نرى بالواقع مهما كانت قسوته وجبروته. انها دعوة فلسفية للثورة على السلبية
رابط المقال في الجريدة

الخميس، فبراير 12، 2009

طبعة جديدة من رواية "غادة الأساطير الحالمة"


طبعة جديدة من رواية "غادة الأساطير الحالمة"

صدرت حديثاً طبعة عربية جديدة من رواية "غادة الأساطير الحالمة" للروائي المصري محمد العشري عن "الدار العربية للعلوم" في بيروت، وهي الرواية الأولى للكاتب، وقد صدرت في طبعتها الأولى بالقاهرة عام 1999 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.

جاء في كلمة الناشر على الغلاف جزء من مقال نقدي للناقد الدكتور محمد حسن عبد الله:

"تأتي أهمية رواية "غادة الأساطير الحالمة" التي يجب أن يستفاد منها كثيراً الآن، لأنها محاولة وبحث جديد، تخرج عن الطريق المألوف للرواية العربية، وطريق نكتشفه للرواية العربية في زمن قادم، وذلك يقودنا إلى سؤال مهم: ما الطابع العام للرواية التي تسود الآن، وبصفة خاصة بين الشباب؟

والجواب هو: أن الخطوط التي تسير روايات هذه الحقبة في مجرياتها، إما أن تكون رواية سياسية مباشرة، تصطنع المعارضة وتعلن الرفض السلبي، وإما كتابة تعتمد على المجاهرة بمحرمات الجنس والاستهانة بأصول الدين، وإما كتابة مغلقة على نفسها لا تكاد تفهم احتماء بغموض الرموز واستغلاق الهدف.

كان هذا كله البديل للرواية التقليدية، البديل للنقد الاجتماعي أو للقصة الاجتماعية التي كانت سائدة عبر الخمسينيات والستينيات، جيل نجيب محفوظ في ثلاثيته، وما شابه، ومحمد العشري غَيّرَ نمط الرواية الاجتماعية لكنه لم يدخل في صيغة الهجاء السياسي، ولا الكتابة الجنسية، ولا الاستهانة بالقيم الدينية، ولا الضبابية، وبهذا يكون قد فتح لنا طريقاً جديداً واتصل بالتراث في شكل فني جديد، إضافة إلى أنه يقدم تجارب غرائبية جديدة ومدهشة، وهو في بدايته الإبداعية، ويكتب بأسلوب شعري رائق وجميل.

إن هذه الرواية: "غادة الأساطير الحالمة" محاولة أولى لكاتبها الشاب محمد العشري، وإنني لأرى فيها بداية قوية مبشرة، دالة على اتجاه فني ينتسب إليه ويؤطر إبداعاته القادمة التي سيتميز بها لاحقاً بأنه كاتب مبدع، يملك مشروعاً، ورؤية، وأسلوباً، وهذا ما نطمئن إليه، ونتوقع الكثير من إلهامات خياله الشعري المتوهج".

للروائي محمد العشري العديد من الروايات، منها: "نبع الذهب"، "تفاحة الصحراء"، "هالة النور"، و"خيال ساخن".

كما حاز على عديد من الجوائز عن رواياته، منها: جائزة نادي القصة في الرواية "1999"، جائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة "2000/ 2001"، و"جائزة إحسان عبد القدوس "2008"، جائزة وكالة سفنكس في أدب العشق عام 2009

رابط الخبر في شبكة محيط



الاثنين، يناير 12، 2009

تأسيس واقعية سحرية عربية.. في خيال ساخن




تأسيس واقعية سحرية عربية
قراءة في خيال ساخن رواية محمد العشري

هشام الصباحي
خيال ساخن هي رواية محمد العشري التي صدرت في آن واحد عن ثلاث دور نشر في ثلاث دول مختلفة ..الأولى الدار العربية للعلوم ناشرون في لبنان والثانية مكتبة مدبولى في مصر والثالثة منشورات الاختلاف في الجزائر.
إن تحسس مشاعر كل الأشياء دون تفرقة هي السمة الأهم في هذه الرواية حيث نكتشف من خلال الرواية أن لكل الموجودات والمحيطات بصمة رومانسية خاصة بها هذه البصمة ليست جنسية أو جسدية فجه بل هي رائقة وهادئة وذات مشاعر بكر وطازجة.. تشعر أن هذه المشاعر وكأنها تحدث للمرة الأولى في الرواية والحياة معا
كما أن الكاتب جعل للرواية نهاية مفعمة بالرومانسية الشديدة حيث جمع بين الحبيبين ليؤكد أن التوحد مع الكون وكل مايحيط بك وبنا وبه أمر سوف تجده وتشعر به في الرواية حتى (أن الفرح ينتقل إلى الآخرين بمجرد النظر في ملامح فرحة ..فحين رأينا الوجوه مبتسمة ابتسمنا بفرحة-ص81).
إن تحسس مشاعر كل الموجود من جماد واسماك وحيوانات وبشر وشجر كانت هي المهمة الأولى لهذه الرواية حيث تقديم هذه المشاعر وتقربها إلينا كان واحد من اُطروحات هذه الرواية.
لغة العشري كانت لغة رومانسية ناعمة تتحرك ببطئ شديد تعبر عن ما يحدث في الرواية وتعبر عن إيقاعها الرومانسي الذي ينسجم مع الغلاف ومع اسم الرواية أيضا وتكوين الرواية من أربع فصول كالتالي..الأمل..الهُيام..النافذة..العناق.

إن الهدوء يمثل جو عام في الفرح والحزن.. في الحياة والموت كما أن الصوت المنخفض الذي يهمس هو أساس الرواية التي تشعرك بجو عام من الطمأنينة والسكينة حتى عندما تتألم انه يُصدر لك الألم بهدوء نبيل دون ضجة أو دون عويل أو اى نوع من المزايدات على الجرح.
احتل الوصف لما هو حاضر وأنى ومحيط التقنية الاساسية في الرواية وكان العشري يحاول أن يوحد أبطال الرواية مع المحيط بهم أو العكس المهم أن يحث حالة من التوحد(بدا الكون كله متوحدا .فإيقاع الإنسان متشابه من أول الدنيا إلى أخرها –الرواية ص51).
الكتاب-الرواية يمكن لكل الأسرة أن تقرأه بشكل مطمئن فهو لا يحتوى على شذوذ ولا على لواط ولا على جنس مفتعل ليحقق قدر من المبيعات أو حتى قد من المعادلة الجاهزة للرواية انه يحتوى على حب رائع للبطولة والتضحية إنها حالة رومانسية جماعية للكل من أفواج الرواية حتىكل شخصية دون معرفة أسماء الأبطال ولكن خيال الأبطال الرومانسي الساخن هو الذي يحضر وقدمهم جميعا.
العشري لعب في الرواية على تقديم الأحداث دون التعريف بالشخصيات حيث في بداية الرواية يبدأ بحدث قتل السلعوة التي كانت تهدد الأسرة الثرية من قبل رجل مار بشكل عادى على المنزل-الفيلا ونظل طوال الرواية نبحث عنه حتى نتعرف عليه عند قرب نهاية الرواية على انه والد بطل الرواية وانه رجل عادى جدا..مؤكدا على أن البطولات من الممكن أن تأتى من أشخاص يبدون عاديين جدا كما أن تفاصيل البطل والتعريف عليه يأتي في النهاية حتى أن الحبيبة البطلة نتعرف على تفاصيلها في النهاية.
نستطيع أن نقول أن محمد العشري قدم لنا رواية نظيفة وأجواء أسطورية ذات نكهة عربية وخرج عن المعادلة المعدة سلفا حول نجاح الرواية التي تعتمد بشكل كبير على تابوهات الجنس والدين والسياسة.
من الجدير بالذكر انه صدر للروائي محمد العشري من قبل غادة الأساطير الحالمة –رواية-عن هيئة قصور الثقافة عام 1999,نبع الذهب-رواية-عن الهيئة العامة للكتاب سنة 2000,تفاحة الصحراء –رواية-مركز الحضارة العربية سنة 2001,هالة النور-رواية-مركز الحضارة العربية 2002.
كما حاز على جائزة نادى القصة في الرواية عام 1999,وجائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة في الرواية عام 2000/2001.
هشام الصباحي
H.alsabahi@gmail.com
شاعر مصري

الخميس، ديسمبر 04، 2008

مصر هبة النيل... أم ضحيته؟



«خيال ساخن» لمحمد العشري ... مصر هبة النيل... أم ضحيته؟
مايا الحاج الحياة - 03/12/08//
«هل يمكن العاشق أن يكون متجلياً يغيّر في ناموس الكون ونظامه، ويدلف الى أدواره، ويفهم طبيعة تكوينه؟»... سؤال يُمثل الإشكالية المركزية في رواية «خيال ساخن» للروائي المصري محمد العشي التي صدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون. هكذا يحاول الكاتب أن يقدم تجربة عشق جديدة وغير اعتيادية تشد عن السائد وتبتعد عن المألوف.ومن خلال السردية المحترفة التي يعتمدها الكاتب يشعر القارئ بأنه مدعوّ للسفر في رحلة فريدة مع أبطال هذه الرواية بحيث يلج عبرها عوالم الأساطير والسحر والخيال من دون الابتعاد عن الواقع.تشكّل الصحراء والموروث الأسطوري في روايات محمد العشري عادة، البعدين الرئيسين لكتاباته الروائية. فهو أنكب منذ روايته الأولى «غادة الأساطير الحالمة» على تصوير عوالمهما بكل ما تحمله من تناقضات، من خلال لغة خاصة تمتزج فيها الجماليات بالتقرير. وربما كان للبدايات الريفية التي عاشها الكاتب على مشارف «المنزلة» في بيئة تحيا بالموروث الشعبي وتتغذى بالحكايات والأساطير المنقولة من جيل الى جيل أثر مباشر في ذلك. وكما هو واضح من عنوان الكتاب «خيال ساخن» يمكن القول إن القصة هي ثمرة خيال الكاتب الحارّ والملتهب. إلا أن تصنيف هذه الرواية يبقى أمراً مستعصياً.يعالج الكاتب إذاً قضية فلسفية تتجلّى في البحث عن الذات وأساليب تحققها من خلال التفتيش المستمر عن نصفها المفقود الى أن تجده وتلتحم به لتحقق بذلك «الأسطورة الذاتية». هذا ما يؤكده كلام البطل - الراوي عندما يلاقي حبيبته قائلاً: «منذ الأزل، وكلانا يبحث عن الآخر، في أحراج الدنيا وغابات الشجر، ومنذ الأزل وأنت تذوبينني رقة وتتوهجين حناناً».تُمثّل بطلة الرواية جمانة، ابنة التاجر الثري، الشخصية المركزية. فهي التي قررت المضي في رحلة بحث عن نصفها الآخر حتى قبل التعرّف إليه، أُغرمت بالرجل القوي الذي أنقذها وأهلها في طفولتها من خطر الموت حينما قاتل «السلعوة» التي كانت تهدد كل العائلة ببسالة وشجاعة. صار هذا الرجل الغريب، الذي صنع له والدها تماثيل على هيئته في حديقة المنزل، بمثابة فارس أحلامها، وأرادت أن تحوّل حلمها حقيقة.وشاء القدر أن يضعها أمام شاب وقعت في غرامه واعتقدت أنه الرجل الذي طالما حلمت به منذ الصغر. إلا أن ذاك الشاب يبقى مجهول الهوية بالنسبة الى القارئ حتى الصفحات الأخيرة حين يكتشف أنه ابن ذاك يعترض والدها الثري على حبهما ويُرغم ابنته بالزواج قسراً من رجل آخر. هنا تضطر الشابة الى ترك المنزل للبحث مجدداً عن حبيبها، «فجابت الأرض حولاً وعرضاً» لتحقيق هدفها الذي تبلغه في النهاية بعد تجربة شائكة ومعقدة. هكذا نلتمس في النهاية الرسالة الضمنية التي أراد الكاتب إظهارها بأن الإنسان قادر على تحقيق أحلامه من خلال السعي والعمل الدؤوب. كما أن الإشارة الى رواية باولو كويلو الشهيرة «الخيميائي» بمثابة تكريس لهذه الفكرة التي تؤكد أن من الممكن تحويل الأحلام حقيقة بالإصرار والمثابرة.للرواية أيضاً خصائص عدة على مستوى الشكل أو تقنية الكتابة ومن أبرزها أنها لا تتميز بوحدة المتكلم. فهي عبارة عن «حوارية» (كما يعرّفها الناقد الروسي ميخائيل باختين) أو ما يُعرف بالسرد المتعدد الأصوات. فهناك أكثر من صوت يشدّ طرف السرد مثل الراوي الغائب، وهو ليس ضمن شخصيات الرواية، والراوي - البطل «جوّاني الحكاية». ويمكن أن يذكرنا هذا التعدد أو التداخل في السرد بتقنية الكتابة في «ألف ليلة وليلة» التي تجمع بين الصعوبة والتعقيد من جهة والفن والسلاسة من جهة أخرى.
خطاب الراوي والشخصياتمن هنا يمكننا القول إن دراسة الحوار في «خيال ساخن» تلمّح الى أن هناك علاقة جدلية بين خطاب الراوي وخطاب الشخصيات। أما لغة الحوار فهي لا تعكس فعلاً ثقافة الشخصية الروائية نفسها بل ثقافة الكاتب। فالرواية غنية بالمعارف الجيولوجية والجغرافية لكون الكاتب هو في الأصل عالم في الجيولوجيا وتحديداً في علم طبقات الأرض وباحث في أسباب نشأتها وطريقة تكوينها. لذا نرى أيضاً أن عمله في صحراوات مصر الشاقة واحتكاكه المباشر مع الأرض أثرى تفكيره العلمي وساعده في تقديم كتابة أدبية مغايرة ومميزة. والقارئ يستشعر ذلك من خلال احتفال الرواية بعوامل الطبيعة الأربعة: الهواء، الماء، التراب والنار.وإذا ما درسنا هذه العوامل بحسب النظرية «الباشلارية» نجد أن الكاتب عمد الى بث نوع من أنواع الإلفة بين الناس والطبيعة للتشديد على فكرة «أحادية الكون». لقد أضفى غنى الرواية بالكثير من المعارف الثـــقافية والتاريخية والجغرافية جمالية فنية خاصة، فلم يترك الكاتب فرصة واحدة لتقديم معلومة جديدة يُفيد بها القارئ. فارتدى محمد العشري عباءة الدليل السياحي متخفياً وراء شخصية «قائد الرحلة المدرسية» ليقوم بالتعريف عن المناطق السياحية وعن أصل تسميتها مثل منطقة «الفيّوم» التي اكتسبت اسمها بعدما تمّ دمج كلمتي «ألف يوم» بأمر من عزيز مصر وكذلك «بحر يوسف» و «بحيرة قارون» و «بحيرة الحيتان» وغيرها. أما المأخذ الوحيد على الكاتب فيكمن في تركيزه على خلفيته العلمية في الشؤون الجيولوجية، إذ قام بزجّ الكثير من المعلومات التي تتعلق بمختلف أنواع التربة والصخور المتحجرة وتواريخ الزلازل والبراكين وانحسار الماء والمدّ والجزر... ما يبدو مبالغاً فيه لا سيما بالنسبة الى تلك التي وُظفت في شكل غير مبرر.أخيراً وعلى رغم البعد الفلسفي الذي يغلّف الرواية، إلا أن «خيال ساخن» تقدم بالدرجة الأولى بُعداً إنسانياً وواقعياً. فالكاتب مارس دور الناقد عندما تهجّم على سلبية الشعب المصري الذي يركن الى السكينة ولا يُحدث أي تطور أو تقدم يُذكر على رغم كل الإمكانات الرهيبة التي يملكها. ولم يتردد كذلك في نقض عبارة طالما اعتبرها المصريون شعار بلادهم: «مصر هبة النيل»، ليقول عكسها: «مصر ضحية النيل» في كونه جعل المصريين نائمين في حضن مياهه تاركين الصحراء بكل ما فيها من ثروات ينهشها الجفاف والخلاء.يتساءل الكاتب: «ماذا لو لم يكن النيل موجوداً؟ هل كان الناس سيموتون عطشاً؟ كانوا سيبحثون حتماً عن مصدر للماء وربما انتشروا في الصحراء الواسعة وجعلوها مكاناً مناسباً للحياة أفضل مما هي عليه الآن؟».

رابط المقال في جريدة الحياة


الأربعاء، سبتمبر 17، 2008

خيال ساخن.. رواية تبحر بين عوالم الواقعية والخيال

"خيال ساخن" لمحمد العشرى توليفة بين الخيال و الواقعية


خيال ساخن ... رواية تبحر بين عوالم الواقعية والخيال
كتبت: أميرة بهى الدين

قرأت "خيال ساخن" لمحمد العشري... رواية قصيرة ثرية تسرقك من الحياة حولك، تختطفك لعوالم غريبة مدهشة، كأنك ولجت بوتقة الأساطير الحية، كأنك طرت فوق السحب البعيدة، كأنك تغوص فى أعماق طبقات الأرض وأزمنتها الجيولوجية البعيدة।رواية تدهشك بعوالمها الغريبة تارة تحسها منتهى الواقعية، وتارة أخرى تحسها منتهى الخيال وكثيرا ما نجد العالمين معا فلا تعرف أين أنت، ولا تعرف أين أبطالها، هل يعيشون معنا فى الدنيا أم يحلقون فى الأجواء الافتراضية الخيالية الغريبة؟ رواية لا تعرف أبطالها، أهم أناس بشر مثلنا، يحبون فيفتنهم الحب، ويسلب لبهم الغرام، أم كائنات خيالية تحلق فى أطياف الذهن الغريبة؟، يحيون فى الخيال أم يعيشون فى الواقع أم أن غرامهم قلب عوالمهم الواقعية لمناطق غير مأهولة إلا بمن مثلهم محلق فى الأنهار الوردية؟... غريب محمد العشرى ورصيده الخيالي، ومفردات لغته الخاصة، وثقافته العلمية التى أخضعها لابداعه المحلق... غريب محمد العشرى وعوالمه التى يأسرك بين ضفتيها ويحملك، يحلق بك لفى السماء كأن أجنحته قد التصقت بجسدك، ثم يغوص بك فى المياه الدافئة يسعدك بحنانها، ثم يقذف بك فى دوامات الغرام الحميم بأناقة وبراعة لغوية وصور خيالية محلقة! غريب محمد العشرى وعالمه أكثر غرابة، ما بين الشجرة الصخرية التى لا تعرف هل دبت بها الحياة فعلا أم هى أمنية محمد التى أطلقها فى الصفحة الأولى لروايته، أمنية تبدو متحققة، وما بين الحيوان الخرافى الذى سكن الصخرة القديمة وأطلق رعبه يأسر أهل البيت ويستبقيهم مقيدين طلقاء فوق مقاعدهم، ما بين التنين الذى خطب فى الحيوانات خطابا سياسيا مباشرا يحض على التمرد، ما بين فيضان المعلومات الجيولوجية حول وادى الريان وزلازل تشكل القارات بالكوكب، ما بين "جمانة" المحبة الهائمة التى لا تعرفها أهى فتاة طبيعية محبة، أم فتاة خلقت عوالمها الخاصة واختطفت البطل الذى تصورت نفسها تعرفه وهى لا تعرفه، لكنها اكتفت بمعرفتها الذاتية، تلك المعرفة التى أسعدتها وأسعدته وأسعدتنا رغم عدم واقعيتها أو واقعيتها، فلتحكم أنت بماذا ستشعر وكيف ستحاكم جمانة ومشاعرها! ما بين الفتى الصغير الذى انتظر أباه فأتى ولم يأت، ودرس واشتغل، وهام على وجهه، وقص أقاصيص التاريخ والماضي، وعاش عالما غريبا قبيحا! بالتاجر الذى نسى فنه ورفض حبه لابنته وتمنى لها ثريا يبدل الخيال الجميل لواقع كريه، عاش عالما غريبا بالأب الذى تزوج صغيرة ورتب المنزل لها وله ومات وترك لابنه الشقى أخا صغيرا يحتاج إلى رعاية تقيده وتزيد شقاءه، ذلك الفتى المحب الذى حلق فوق السحاب وغاص بين طبقات المياه التى راكمها التاريخ وخفق قلبه بحب الفتاة الجميلة التى تصورته آخر ليس هو! غريب عالم محمد العشرى ذلك المبدع الخاص جدا! أصدقائى إذا كرهتم الواقع الكريه الذى يطبق على أنفاسنا وضجرتم من كل الصخب المدوى الذى يصم آذاننا وبحثتم عن ملاذ يقوى من عزائمكم وقدرتكم على معايشة الحياة بكل أطيافها فلتهربوا لرواية "خيال ساخن" ذلك الكتاب الصغير الذى يحلق بكم فى عوالمه الخاصة كأن ثغرة فتحت من بين السحب الثقيلة الملوثة التى تحتل سماءنا يفيض منها هواء بارد طازج يسعد ملمسه الحميم وجوهكم وقلوبكم المتعبة! شكرا يا محمد فقد أسعدتنى لأن هذا الوطن ما زال ينجب الموهوبين المبدعين !نشرت الرسالة ثم عدت ثانية أسيرة العالم الخاص لمحمد العشرى أكتب عن روايته... تلك الرواية التى اختار لها الكاتب غلافا بسيطا خادعا لا يسرق بصرك ولا يجذبك إليه، غلاف بسيط لا يوحى لك بأى شيء مما ستجده داخل دفتى الكتاب، غلاف بسيط حيرنى لماذا لم تشر يا محمد إلى العوالم الخاصة التى ستسرقنا إليها، ببوابة الطريق الذى ستصطحبنا فيه، فجوابك لا يبان من عنوانه كأنك قصدت بعض المشقة بإثارة الكثير من الفضول عما يضمه ذلك الكتاب الصغير ذو الغلاف البسيط!غريبة جدا عوالم محمد العشرى فى تلك الرواية التى تحدثك عن البرديات والملكة وحتحتور والأزمنة البعيدة والأزمنة الغريبة وهيام المحبين وقلوبهم النابضة، تحدثك عن الحلم والحقيقة والواقع والخيال والبشر والتاريخ والصحراء والجيولوجيا والحب والسمكة الفضية التى أماتها الزلزال و"العمودية" والقبض على أحد المطاردين والمأمور ودسائس البشر ومشاعرهم المحبة॥ كل هذا مع بعضه فوق بعضه خليط غريب جميل، فما إن تنتهى من الكتاب حتى لا تعرف أين كنت وماذا قرأت، وتحس بأنك تحتاج إلى قراءته مرة واثنين!

..