السبت، مارس 17، 2007

صحبة لصوص النار


غلاف الكتاب


غلاف المجلة
..
مقالي في مجلة الهلال
عدد مارس/ آذار 2007
..
صحبة لصوص النار.. لجمانة حداد
..
حيال اللصوص نستدعي على الفور الشرطي، أو نلتف على أنفسنا تجنباً لشرهم، لكن مع لصوص نار المعرفة لا يملك القارىء إلا أن يلقي روحه في عالمهم، تقوده لذة إكتشاف الخفايا، ومعرفة كيف يمارسون عاداتهم في الكتابة، وقراءة الواقع، والخيال، والحلم، والقبض على لحظات الإبداع بقوة، مكّنتهم من أن يصبحوا كتّاباً عالميين. يطوف القارىء مع جمانة حداد في عالم فكرهم الثري، التي حاورتهم عن قرب، في كتابها "صحبة لصوص النار"، الصادر حديثاً بالأردن، لدى دار "أزمنة" للنشر

تستخلص حداد عصارة حياة ثلاثة عشر كاتباً عالمياً، مدفوعة بالرغبة في تقديم شيء جديد وجاد يحترم عقل القارىء العربي، مستعينة بالصبر على من راوغ منهم، ومن استجاب، ومن ترك الأمر للصدفة، لترتيب مكان وزمن اللقاء. تفنّد ما باحوا به، ما سكتوا عنه، وما استُفزوا للإجابة عنه، ليعرف القارىء في صحبتهم: كيف تكون الكتابة هوية، النهم واتساع الأفق، فضائل الانسحاب من الحياة العامة، الإصرار على الحلم حتى عندما لا نصدّقه، فطرة الثقافة، قاعدة الجلوس المقدّسة، التواضع والبساطة والحنان، الإيمان العنيد بالمصادفات، دفء الحس الإنساني، شراسة الصدق، عشق الحياة الإبيقوري، بناء الذات لبنةً فوق لبنة، والشفافية والتقشّف

هؤلاء الكتّاب التقتهم جمانة حداد، في رحلة كثيرة المحطات، امتدت بين عامي (2003 و2005)، اجتازت فيها المسافات الطويلة، وتعمقت خلالها في الكثير من أعمالهم الإبداعية، وما نسج حولهم من روايات وكتابات صحافية، لتحاصرهم بمعرفتها الموسّعة بهم، ليصبح في إمكانها جرّهم إلى الساحة العربية، من خلال جريدة "النهار"، يدعمها عميدها غسان تويني مادياً ومعنوياً، ليؤكد على أن الصحافة يمكنها أن تنأى عن نشر الفضائح والإبتذال، بالتعمق في الثقافة والفكر

العديد من الآراء الجديدة، في الحياة، والحب، والجنس، والسياسة، حتى في الأحلام، سيجدها القارىء متناثرة في ثنايا الحوارات، تصيبه بالدهشة حيناً، وحيناً بالإستغراب، لأنها تفتح عينيه على حقائق في الحياة، يعيش بها، ولها، دون أن ينتبه لوجودها، مثلما لم ينتبه ايكو في بداياته، ونبهه أستاذه: "إعرفْ يا امبرتو أننا نولد وفي رأسنا فكرة واحدة، وأننا نعيش كل حياتنا ساعين وراء تلك الفكرة بالذات". ليس أقل من تلك الفكرة رؤية ساراماغو للحياة، التي تحولت إلى عيش من أجل التجارة، ولم تعد تجارة من أجل العيش. وانقلبت الصورة، أو ارتدت إلى الخلف، في زمن الحرية والديموقراطية: "بات الناس أقل ميلا إلى الاعتراض والتظاهر والاستنكار من ذي قبل. عندما أصبح في وسعنا أن ننتقد ونجادل، أدرنا ظهورنا وانحنينا على أنانياتنا المفترسة". يُكمّل تلك الصورة الكونية المظلمة ما يعانيه إيف بونفوا، في رصده لداخله الممزق، بما يكبل روحه التواقة إلى التحرر والإنطلاق، ما وجدته عليه حداد من غربة قاتلة تجاه العالم، رصده للقضايا الشائكة، رغم ابتعاده عنها: "متألماً بسبب الجمود السائد في العالم. أطلعني على رؤيته في عبثية الحرب اللبنانية، وعلى رغبته في زيارة مصر، رغم تردده بسبب الرهاب الذي تثيره في نفسه ميليشيات السياح الغزاة". صورة دراماتيكية سوداء هي شكل العالم في رأس انفو. هكذا يجدها بول اوستر في سخريته من تناقض المجتمعات، وحيرته إزاء ما يراه طاغياً على كل المستويات: "أميركا هى على الأرجح البلد الغربي الأكثر عداء للثقافة والأقل اهتماماً بالفكر في العالم، إذا ما قورنت بأوروبا وحتى بعواصم أميركا اللاتينية. ورغم ذلك ها نحن ننتج كتابا وفنانين عظماء، ولا أعرف السبب". ويرى اوستر أن أميركا تحتاج إلى قيادة جديدة، قادرة على تغير سياستها في مجال الطاقة، حتى تتخلص من اعتمادها على نفط الشرق الأوسط، لتكف عن دعم الأنظمة الديكتاتورية فيها
وتخرج جمانة حداد من تلك الصورة الكئيبة، إلى فضاء الحلم مع باولو كويلو، الذي قاده لغز، استمده من "ألف ليلة وليلة" إلى النجاح الباهر، ليصبح كنزه، الذي يسعى القراء إلى اكتشافه في سحره، وإدمانه عالم الانترنت، وغواية الشبكة. ويفصح كويلو عن قناعته، ما يحول دون أن يحقق المرء حلمه، يستخلصه في أمرين: "الأول هو أن يظنه مستحيلاً، والثاني أن يستسلم للخوف. الشجاعة هى الفضيلة الوحيدة التي لا غنى للإنسان عنها، لأن الخوف يمنعه من تغيير قدره ومن ايجاد أسطورته الخاصة". وتستنطق حداد بمهارة حاذقة بيتر هاندكه، ذلك الملك النمسوي الصامت، ليتعرف القارىء على مدى المعاناة، التي لازمت المحاورة طوال حوارها معه. إصراره على تعليم نفسه اللغة العربية، قراءته لإبن عربي، أدونيس، أمين معلوف، نجيب محفوظ، وأشعار إبن الرومي. لأنه يرى أن الغرب ليس لديه الوقت ليتعرّف إلى الشرق، أو ليس مهتماً، أما خطأ الشرق أنه يرفض الإختلاط مع الغرب

بإمكان القارىء أن يستمع إلى صدق الكذب، لدى ماريو فارغاس يوسا، الذي يكتب عن قناعة أن الرواية هى مملكة الكذب، وأن الخيال هو سلاح البشر الحقيقي في الحياة. وهو ما دافعه للترشح للرئاسة في بلاده عام 1990، في ظل ظروف صعبة، بين إرهاب، وتطرف، وحرب أهلية، لأن الطريقة التي يدير بها السياسيون لغتهم مختلفة كثيراً عن طريقة الكتّاب، ويجد الحل في تثقيف الشعوب: "من الصعب أن تتلاعب أي سلطة بمجتمع قارىء وأن تخدعه". مع جمانة حداد ولصوص نارها، سيجد القارىء أن العالم صغير جداً بما يكفي أن يمد أصابعه، ليلمس أطراف اليابسة، حين يتوقف أمام خوف النمسوية الفريدة يلينيك الأكبر، هو الأشخاص المتعصبون، وأنها تراقب من نقطتها البعيدة صعود المتطرفين الإسلاميين. ومن تجربتها مع أمها المريضة، التي توفيت عن 97 عاماً، وكانت تعاني من بارانويا مرعبة، جعلتها تؤمن بأكثر الأمور شراسة: "على الإنسان أن يقتل نفسه في الوقت المناسب"
ومع السارق المزمن أنطونيو تابوكي، الذي تم اللقاء معه مصادفة ما كان لها أن تتحق لو خطط لها، ذلك المؤمن بالمصادفات في الكتابة والحياة، ويرى أن الأدب بطن كبير يتسع للإنسانية كلها، لأن حدود الحياة الملموسة هى ما تطاوله أيدينا: "بينما الأدب يذهب أبعد، وأعمق، بفضل الأدب نكتشف كل الاحتمالات الهائلة، الموجودة في العالم، فهو يهدي إلينا تجارب الآخرين وحيواتهم: "الكتابة عمل حرفي يتطلب الكثير من الانحناء والصبر"
وتترك جمانة حداد العنان لعواصف الطاهر بن جلّون، لتعصف بالقارىء بجرأة الآراء، التي يجردها من زوائدها، وتابوها الكلاسيكي عند العرب: "إذا تأملنا في تصاعد موجة الأصولية في العالم العربي- الإسلامي، سنكتشف أنها في الأصل مشكلة جنسية، لا دينية. فما يربك الأصوليين في شكل خاص هو المرأة والجنس"
ومع مانويل مونتالبان، خالق شخصية كارفالو، المغامر الرحالة، والذي فكر كثيراً في قتله، لكنه تعلق به بمرور الوقت، واعتبره البعض قناعاً له، والذي خانه قلبه في مطار بانكوك، تاركاً مائدة عامرة بالملذات الأدبية، إضافة إلى غرامه الخاص بالأكل: "إني في الحقيقة مولع بالطبخ، وأطبخ كل يوم في منزلي، إنها عملية شبه سحرية"
ومع نديم غورسيل، ووطنه الحقيقي الساكن في اللغة التركية، التي يكتب بها، رغم إقامته في باريس، إثر تعرضه في سنّ العشرين للمحاكمة، بسبب نص كتبه، فاضطر إلى الرحيل. وتغري جمانة حداد القارىء العربي بمحافظة غورسيل على النكهة الشرقية، في كتاباته المتنوعة، وكثرة أسفاره وسعادته بذلك: "إذ أعتقد أن قدري الحقيقي هو التجوال. قدري أن أهيم، مركباً بلا مرساة"
وتكتمل الحوارات مع الشاعرة ريتا دوف، تلك المرأة التي تحيا بالقصائد، وتُغرم بالرقص، وتعي أن الحب يجدد نفسه بالشغف والخيال، وأنهما مفتاح الحياة. لتعود بالمحاورة إلى قناعتها، وإيمانها، ورغبتها في محاورة كافكا، رينه شار، أناييس نين، فيكتور هوغو، بول تسيلان، سليفيا بلاث، دوستوفسكي، وأراغون: "هؤلاء ماتوا بالطبع، لكني، رغم ذلك، وأيضاً بسبب ذلك، أطمح إلى محاورتهم". تُرى هل يحقق لها الشغف والخيال رغبتها؟!، ربما، حينئذ سنراها في صحبة لصوص نار آخرين
..
محمد العشري
..