الثلاثاء، ديسمبر 14، 2010

غـــــــــائبــان


غـــــــــائبــان
بقلم‏:‏ محمد العشري



دخل سعيد بلبول علي قائده‏,‏ ليخبره أنه في حاجة إلي اجازة‏,‏ بعد أن أعلمه الأب بموافقته علي اختياره لعروسه‏,‏ وسوف يزوجه في أول تصريح يحصل عليه بعد قراءته لرسالته‏

حاول أن يختصر المسافة‏,‏ طلب الإذن بالدخول إلي القيادة‏,‏ القائد في ذلك الوقت بدا عصبيا‏,‏ متوترا يجري اتصالات‏,‏ يرتب معدات وأسلحة‏,‏ وبخه بشدة‏,‏ قال معطيا له ظهره‏,‏ نافثا دخانه في الإضاءة الساقطة عليه‏,‏ رادا علي نفسه بمرارة وتهكم‏:‏
‏*‏ أنت فعلا ستأخذ تصريحا‏..‏
‏**‏ إلي أين‏..‏؟
‏*..‏ إلي اليمن‏.‏
بعد أن تفاقم الوضع المضطرب بين القبائل المتناحرة علي السلطة‏,‏ شب صراع دموي عنيف مع الحاكم‏,‏ الذي استنجد بمن حوله للسيطرة علي المتمردين‏,‏ تحركت الوحدات العسكرية لتهدئة الأمور‏,‏ ومساندة العربي المستغيث بأخيه‏,‏ ذهب إلي صراع لايعلم عنه شيئا‏..‏
‏..‏ من مع من‏..‏؟
‏..‏ أو من ضد من‏..‏؟
الذاهبون جميعهم تساءلوا‏,‏ لم يجدوا أحدا باستطاعته أن يجيب‏,‏ بقوا جنودا مؤجرين‏,‏ يحاربون هواء يعصف بهم في هبوبه وهجماته المفاجئة‏,‏ التي تنزل من الجبال‏,‏ دفاعا عن لونها وعصبيتها وخصوصيتها‏.‏
‏**‏ بعد أن قبض إبراهيم بلبول علي شهادته العليا في الآثار‏,‏ أرغم والده علي أن يبيع أفدنة من أرضه‏,‏ وجلس امامه يحصي المال ويدون في دفتره‏,‏ والأب واقف فوق رأسه يبتسم‏,‏ يصب النصائح في أذنه‏,‏ وهو يري طموحاته تتراص فوق بعضها‏,‏ تبني حائط المجد الذي سيأتي به‏,‏ بعد سفره في عرض البحر في اتجاه البلد البعيد الذي وافق علي رسالته‏,‏ رتب لاستكمال دراسته للحصول علي الدكتوراه متطلعا اليها بعينين ملهوفتين‏.‏
‏**‏ قال بلبول لابنه قبل أن يسافر‏:‏
‏*‏ ياولدي فلتبق هنا وتعمل بشهادتك العليا بجانبنا‏.‏
ـ يا أبي سوف تمر الأيام سريعا‏,‏ وستجدني أمامك فخرا لك ولأمي ولأخي سعيد‏.‏
ــ لقد حاولت معك كثيرا‏,‏ في النهاية وافقت علي ماتريد من أجلك فقط‏.‏
ــ باراك الله لي فيك وأمد في عمرك‏.‏
ــ فلترع دينك ووطنك في كل تصرفاتك
ــ إن شاء الله سوف أرفع رأسك عاليا‏.‏
ــ المهم أن تركز في دراستك‏,‏ تختصر الوقت قدر الإمكان‏.‏
ــ أنت تعرفني جيدا‏,‏ تعلم أن حبي لدراسة الآثار نبع من كثرة ماحدثتني ورويت لي عنها‏,‏ فشببت علي حبها الذي تعلمته منك‏.‏ فكثيرا ما كنت استمع إليك وأنت تتغني بها مفاخرا‏,‏ أنا أتبعك إلي ذلك البيت العتيق الذي خلفه لنا الأجداد في البحيرة‏..‏ أضاف‏,‏ وهو يعلق حقيبته‏:‏
ــ والله كنت أود أن ألقي عليه نظرة أخيرة قبل سفري‏,‏ لكن الوقت حان كي ألحق بالباخرة قبل أن تفجر بوقها في الأذان‏.‏
أومأ الأب‏..‏ هز رأسه بحزن‏..‏ دمعت عيناه‏,‏ أخذ يمسحهما بكم جلبابه‏..‏ احتضنه بين ذراعيه‏..‏ ضخ حنانه في أوردته قبل أن يتركه‏.‏ حين هدأ من انفعالاته أنام رأسه علي صدر أمه لفترة طويلة‏,‏ وهي تمسح علي جسده‏,‏ ووجهه‏,‏ وشفتاها تبتهلان بالدعاء إلي الله أن يحفظه‏,‏ ويعيده إليها سالما غانما‏,‏ ويعيد إليها ولدها سعيد‏..‏ ذهب إلي الميناء مصحوبا بالدعاء‏,‏ والدموع قد غلبتهم جميعا‏.‏
بالكاد يستطيع بلبول أن يتعرف علي أحرف اللغة العربية‏,‏ ظل أمله متأججا في صدره لكن أباه آثر أن يبقيه بجانبه يزرع الأرض ويحرثها معه‏,‏ يدا بيد‏,‏ ظلت تلك الرغبة حبيسة في عقله‏,‏ لكنه لم يجد الوقت والفرصة لكي يحققها حتي بهتت شيئا فشيئا بمرور الوقت‏.‏ حين تطل الأفكار في الرأس ولا تخرج إلي حيز التنفيذ تشعر بالملل وتذهب‏,‏ وربما تجدها تتحقق علي أيدي أناس آخرين حين تزوج وأنجب ابنيه‏,‏رتب وأعد لهما مسارا لكي يسلكا وينتهجا ما أحبه ولم يستطع تحقيقه‏,‏ لكن الأمور دائما لاتسير وفق مايريد منها البشر‏,‏ تعثر سعيد في صغره‏,‏ فشل في الانطلاق إلي ما رتب له‏.‏ حاول الأب مرارا لكن الولد لم تكن به رغبة في تلك الحياة الأخري‏,‏ فاندمج معه فيما يعمل‏,‏ أصبح ملازما له‏,‏ منطلقا ومحبا للأرض وللرفاق‏,‏ يجوب الحقول نهارا‏,‏ ويستمتع بالسمر ليلا‏.‏
تفوق إبراهيم منذ صغره‏,‏ فكان ينجح العام تلو الآخر حتي حصل علي شهادته العليا‏,‏ والأب فخور بما أنجزه‏,‏ بما حصل عليه مؤخرا‏,‏ لكنه لم يقنع بها حققه من إنجاز في تاريخ الأسرة أنه الابن الوحيد الذي تعلم في الأسرة كلها‏,‏ ورغبته في أن يحقق أكثر من ذلك تصهره‏,‏ فجلس إلي أبيه في أحد الأيام‏,‏ أخذا يسترجعان تاريخ الأسرة حتي وصلا إلي سابع جد ولم يجدا متعلما واحدا من قبل أحصي القلة القليلة المتعلمة في القرية‏,‏ التي يعمل نصف أهلها بالزراعة‏,‏ والنصف الآخر يمتهن الصيد في البحيرة التي تنام تحت قدميها‏,‏ ضاربة في القدم إلي تاريخ الأجداد الفراعنة‏,‏ وآثارهم موجودة في الماء إلي الآن‏,‏ رغم أنه قد طمس الكثير منها‏,‏ فالصيادون يعرفون تلك الأماكن المطمورة‏,‏ وينقلون تلك المعرفة لأبنائه جيلا بعد جيل‏.‏
وضوء الشمس ينفرد علي سطح الماء‏,‏ وقف طائر النحام بساقيه الطويلتين وألوانه المبهرة وعنقه الخرافي‏,‏ علي جزيرة صغيرة ناتئة في البحيرة‏,‏ هاربا من القاع الغرينبي الذي يلتصق به ويوحل أصابعه الممتدة في طراوته‏,‏ مبتعدا عن سربه‏,‏ يرقب أنثاه وهي تضع بيضتها الوحيدة في العش الطيني المخروطي‏,‏ في انتظار أن تسقطها فيذهب إليها‏,‏ ليحتضنها معها لمدة ثمانية وعشرين يوما‏,‏ بعدها يصطحب صغيره إلي الماء ويدوران حول البيت الحجري المقام علي الجزيرة المجاورة‏,‏ يشقان أحراش الغاب‏,‏ يصعدان إلي الباب وينامان أمامه‏,‏ وعينا النحام الأب علي بلبول النائم في الداخل‏,‏ فقد عوده أن يلقي إليه ببعض الأسماك والمحار كلما أتي إلي انيس وحين فتح الباب وخرج إليهما‏,‏ سمعا الأصوات الزاعقة آتية من خلفهما في صحبة أنثاه‏,‏ تفتح الأحراش وتصطف حول صديقها‏,‏ فاتحة مناقيرها الضخمة‏.‏
تزوجت تماضر من بلبول وهي في سن الرابعة عشرة‏,‏ ظلت ثماني سنوات دون إنجاب‏,‏ جربت كل ما أشار عليها به نساء القرية من حيل‏,‏ وتمائم‏,‏ وتعاويذ‏,‏ ذهبت إلي عرافات كثيرات كي تفك عقمها‏..‏ ظلت طوال تلك السنوات الثماني في توتر دائم‏,‏ حتي تملك منها اليأس وختم علي روحها‏,‏ أشارت علي زوجها في مرات كثيرة أن يتزوج بأخري تلد له الأبناء‏.‏ لكن بلبول كان يأبي‏,‏ علي غير عادة أهل القرية‏,‏ محافظا علي الود والرفقة والأيام السعيدة التي أمضاها معها‏,‏ ضاربا عرض الحائط بنصائح المحيطين به‏.‏
ذات يوم‏,‏ بينما هو جالس في بيته‏,‏ بعد أن عاد من عمله في الأرض‏,‏ سمع دقات متتالية تقع بعنف علي الباب الخارجي‏,‏ وتماضر منذ الصباح في بيت أبيها لزيارته‏,‏ كان أبوها من كبار رجال القرية‏,‏ معظم من يفد علي القرية من غرباء يمر عليه ويستضاف عنده‏.‏ فتح بلبول الباب‏,‏ رأي زوجته برفقة أبيها‏..‏ رحب به ترحيبا لائقا‏,‏ أفسح له الطريق بانحناءة خفيفة‏.‏
ذهبت تماضر لإعداد الشاي‏,‏ بينما جلس الأب والزوج وجها لوجه‏,‏ في ساحة البيت‏.‏ فكر الزوج في تلك النظرة التي تعتلي وجه حميه‏,‏ كانت المرة الاولي التي يراه فيها بهذا الشكل‏..‏ مزيج من التعبيرات المختلفة‏,‏ المتناقضة في آن واحد‏,‏ وصمت مفرود بينهما علي غير العادة‏..‏ بدا كأنه يحاول أن يرتب شيئا ما في رأسه‏,‏ شيء حدث هناك في بيت الرجل وأتي به إلي ابنته‏.‏ قاطعا الصمت والترقب‏,‏ قال‏:‏
ـ ماذا بك يا عمي؟
نظر حموه إليه وحمرة الخجل تعتلي وجهه‏.‏ قال‏:‏
ـ أتيت لزيارتك‏.‏
ـ أهلا وسهلا في بيتك‏,‏ لكنني أري أن هناك ما يشغلك‏.‏
ـ حقا يا بلبول‏,‏ هذا صحيح‏.‏
ـ بالله عليك لا تزد من حيرتي‏..‏ أخبرني ما الأمر‏.‏
ـ اسمع يا بلبول لا تندهش‏,‏ إنه حقا شيء لا يصدق‏,‏ وسوف أخبرك به لنري ماذا سنفعل‏..‏؟
وأضاف‏:‏
ـ لقد مرت علي بيتي في هذا الصباح عرافة من بلد بعيد‏,‏ مشهورة بالحنكة في أمور الزواج والإنجاب‏..‏ انتهزنا تلك الفرصة وعرضنا عليها الأمر‏,‏ طلبت منا العرافة أن تختلي بتماضر في غرفة وحدها‏,‏ وبعد خمس دقائق سمعنا زغرودة عالية من العرافة في فضاء الدار‏,‏ فدهشنا‏,‏ ذهبنا إليها‏,‏ فأخبرتنا بأمر مازلت في حيرة منه‏..‏ سكت الرجل‏.‏
ـ وما هذا الأمر؟
ـ قالت العرافة إن تماضر مازالت بنتا حتي الآن‏,‏ وأكدت لي ذلك‏.‏
وقع الخبر علي رأس الزوج كالصاعقة‏,‏ فضحك بصوت مرتفع‏,‏ وتساءل‏:‏
ـ كيف يكون ذلك؟‏..‏
ونحن متزوجان منذ ثماني سنوات‏.‏
أضاف بصوت خفيض‏:‏
ـ وهل تصدقها يا عمي فيما تقول؟
ـ ولم لا وقد أكدت ذلك؟
ـ ربما تقول هذا الامر طمعا في مزيد من المال‏,‏ وسوف ترحل بعيدا‏..‏فمن يسألها‏,‏ وهي في النهاية عرافة‏,‏ تجوب البلاد والقري‏,‏ طولا وعرضا‏.‏
ـ قالت المرأة إنها لن ترحل قبل أن نتأكد مما أخبرتنا به‏,‏ وأنه أمر صحيح ومعروف بالنسبة لها‏.‏
أضاف الرجل وقد اصطبغ حديثة بالود‏:‏
ـ يا بلبول أنا لا أريد غير صالحكما‏..‏ وحين قالت ذلك‏,‏ تبادر إلي ذهني أنك ربما‏..‏
وقد أتيت إليك لأشرح لك ما يجب عليك فعله‏,‏ بعد أن أرحل من هنا‏.‏
ـ والمنديل الذي سلمتك إياه‏..‏؟
ـ لا أدري يا بلبول فأنا في حيرة من هذا الأمر‏.‏
في الغرفة الداخلية‏,‏ ارتكنت تماضر إلي السرير‏,‏ بعد أن أعدت الشاي منذ زمن‏,‏ فقد كانت خجلة من الدخول علي أبيها وزوجها‏,‏ وهي تعرف أنهما يتحدثان في أمر يخصها‏,‏ ويخجلها‏,‏ فوقفت خلف الباب والشاي في يديها‏,‏ عندما سمعت وقع خطوات زوجها متجهة إليها‏.‏
ـ ماذا تأخرت بالشاي؟
لم تجب‏..‏ ناولته إياه‏,‏ فضحك‏..‏ عاد إلي حميه‏,‏ الذي وقف مستعدا للخروج‏..‏ تناول كوب الشاي‏,‏ ارتشف منه رشفة واحدة وأعاده‏..‏ قال لهما‏:‏
ـ سوف أذهب الآن‏,‏ فاشرباه أنتما‏.‏
حين شرع بلبول في الزواج‏,‏ قرر أن يبني بيتا علي أطراف أرضه‏,‏ بعيدا عن بيوت القرية‏,‏ فقد كان مؤثرا للعزلة‏,‏ متجنبا ثرثرة الناس‏,‏ غير محب للمقاهي واللهو‏,‏ والأهم من ذلك الابتعاد عن عمدة القرية وطغيانه‏.‏ كان يحب أن يجلس إلي نفسه‏,‏ يفكر في أمور كثيرة‏,‏ وفي معظم الأوقات يدخل إلي البحيرة‏,‏ يبقي لمدة طويلة في البيت الذي ورثه في وسط الماء فوق ربوة عالية‏..‏ يدخل بعد مداعبته طيور النحام الكثيرة‏,‏ يدهشه قدم البيت وصلابته فيمرر أصابعه وكفه علي النقوش البارزة التي تزين الجدران‏,‏ يزيل التراب من فوق تلك النقوش سعيدا وفخورا بآبائه وأجداده‏,‏ الذين عاشوا في تانيس‏.‏ اختار ذلك المكان ليبني فيه بيته‏,‏ حتي يكون قريبا منه ليذهب إليه حين يريد‏,‏ كان في قرارة نفسه‏,‏ يفضل لو كان يعمل بالصيد حتي يسكن فيه داخل البحيرة‏,‏ يقضي فيه كل أيامه ولياليه‏.‏

فصل من رواية جديدة تصدر قريبا بعنوان‏(‏ تانيس‏॥‏ رائحة منسية‏)‏

‏**‏ محمد العشري‏:‏ له خمس روايات‏(‏ غادة الأساطير الحالمة‏)‏ و‏(‏نبع الذهب‏)‏ و‏(‏تفاحة الصحراء‏)‏ و‏(‏هالة النور‏)‏ و‏(‏خيال ساخن‏)‏

الأهرام المسائي - العدد الأسبوعي- الأحد 12 ديسمبر