الأربعاء، أكتوبر 05، 2011

"حيوات أخرى" لإيمان حميدان



"حيوات أخرى" لإيمان حميدان
ذاتٌ ساردة تشفط بشغف ذكرياتها المفخخة

"جمعت ما لا يقل عن 13 حقيبة خلال هجراتي الموزعة بين لبنان وأوستراليا وكينيا. وضعت في الحقائب ما أحتاج إليه. ما عدت أفهم حاجة الإنسان إلى إفراغ حقائبه. صارت حقيبتي بيتي".
هكذا تختزل الروائية إيمان حميدان مراحل عمرية، وتجارب حياتية شكلت حيوات كثيرة، وأسفاراً شتى تلمس الذات وتقطرها في دفقات شعورية متصلة ومتباعدة، في روايتها الجديدة "حيوات أخرى"، الصادرة حديثاً لدى دار "الراوي" في بيروت.
تسعى إيمان حميدان إلى رصد الذات في محاولاتها المستمرة لمعرفة ذاتيتها، على رغم وعيها أن هذه الذات تبدو غارقة دائماً في حالة "البين بين"، لكنها لا تعبر من مرحلة إلى مرحلة أكثر وضوحاً، وليس لها نمط حياة ثابت، وهذل ما يجعل الذات تحتمل الكثير من التأويلات، ويحمل رد فعلها وإحساسها بالأماكن صوراً وأخيلة تبدو غير مألوفة، حتى لو كان مروراً عابراً، مثل مرورها بمطار دبي: "يبدو المكان كمحطة فضائية عملاقة محشوة بالمجوهرات والألعاب والهدايا والطعام. عالم مليء بالأضواء لا ينام. عالم أتخيله يذبل ويموت لحظة خروج الناس منه". في ذلك المكان تلتقي مصادفة برجل يدعى نور، سيرافقها في رحلة البحث، هو عن جذوره العربية، وهي عن ذاكرتها النائمة في بيروت، ذاكرة مفخخة بوقائع الحروب في بيروت، ورائحة الموت مخبأة ومحفورة تحت الجلد، تخرج مع أول لمسة للمكان والبيت والعائلة: "جاؤوا بتابوت وقالوا لنا إن ابنكم في داخله. بعد الدفن بيومين وجد شباب الحي أشلاء من أطراف جسده معلقة على أغصان الأشجار القليلة في الحي، التي احترقت بفعل الانفجار".
ذلك الانفجار الذي قُتل فيه الأخ الوحيد، وأفقد الأب عقله، وأخرس الأم والجدة، ترك مخيلة العائلة مفتوحة على الهرب، وضرورة الهجرة إلى أوستراليا، وترك في الذات الساردة فقداً وألماً، وأورثها حزناً لم تستطع تخطيه أو تجاوز الخوف، الذي لازمها في كل مكان ترتحل إليه: "نهاجر ونبني حياة أخرى ونعتقد أننا نجونا. لكن في لحظة ما ينهار كل ما بنيناه ونعود إلى ماض حسبناه اختفى أو أننا نسيناه عمداً ورميناه في مكان ما تحت طبقات سميكة من الذاكرة".
تمزج إيمان حميدان الواقع والأحلام والخيالات، في سعيها لأن تلمس مكمن اللذة، والشغف بالجسد، كي تكتشف خلايا الروح وطبقاتها، تغلف رؤاها بملمح صوفي حين تعبّر عن الفعل الجنسي من خلال الموج، وحركة المد والجذر في المحيط، وحين تتوحد مع عناصر الكون: "لا بد أنني بلغت لذتي ولا أدرى كيف. كان يكفي أن أسمع حفيف أوراق الأشجار المتمايلة مع الريح الخفيف كي أشعر بتلك الإثارة التي لم يستطع أن يمنحني إياها رجل". ووجدتها مع صديقتها أولغا، التي اكتشفت معها جسدها في فترات من حياتها. ثم لا تلبث أن تطير وراء رائحة تعلو بها من مكان الى آخر، ومن شعور الى آخر، مندفعة تارة، وهادئة طوراً، مشتعلة مرة، وباردة مرة أخرى: "أترك نفسي تتقاسم اللذة مع رجل لا أحبه إلا أنه مليء بالرغبة ويحاول إرضائي".
تتوق الذات الساردة في حيوات حميدان الى اللعب، وتذكر السعادة في محطات حياتها: "حيوات مصدرها فائض من الحب وفائض من الرغبة"، في العلاقات التي تمر بها، نور الذي التقت به في المطار، وجورج المفقود منذ أكثر من 16 سنة، وزوجها كريس، رحلة طويلة جعلتها توقن: "أن الحب رائع لكنه لا يغير البشر".
هكذا تلهو إيمان حميدان في لعبتها السردية الجديدة "حيوات أخرى" بلغة رشيقة، قافزة من مكان الى مكان، ومن بلد إلى بلد وهي محملة الكثير من التأمل، والإنسجام مع الذات المنشطرة، والشذرات المسافرة هنا وهناك. عينها على بيروت التي كتبت لها روايتها الأولى من قبل "باء مثل بيت مثل بيروت"، والتي لم تغب عنها في روايتها الجديدة، كأنها أرادت لذلك العالم وذلك المكان أن يمتد في كل مكان تصل إليه، فها هي تعود مرة أخرى من أجل زيارة عابرة لبيع بيت العائلة، لكنها تبقى وتبدأ حياة جديدة، متناسية حياتها الأخرى المعلقة، أو المتوقفة في كينيا: "لا مكان لمن هرب من الموت في بيروت. لا مكان لمن عاد ليفتش عن ذاكرة ضائعة. بيروت موصدة الأبواب حزينة".

محمد العشري

جريدة النهار- بيروت