

كتاب
"نصيبك في الجنة" لنرمين الخنسا
بين روايتين تتحرك الذات الساردة واحدة تكتبها وثانية تعيشها
"غابت المدينة تحت السحاب بعدما تباعدت تفاصيلها شيئاً فشيئاً، فتلاشت، وغارت معها همومٌ كثيرة أودعتها هناك عند شواطئها ومفارقها". في تلك الأجواء، فوق السحاب، في الطائرة المتجهة إلى باريس، تنسج الروائية نرمين الخنسا أحداث روايتها الأخيرة "نصيبك في الجنة"، الصادرة حديثاً لدى "الدار العربية للعلوم- ناشرون"، وتستدعي لحظات حميمية تركت أثراً حياً، وشجناً في ذاكرة الذات، وتركتها في تساؤل كبير عما يحمله المستقبل. تلك الأطياف حملتها معها الساردة في رحلتها، فتعود إلى تفاصيل وأشخاص لا يزالون يحييون في ذاكرتها، مثل: الخالة ماتيلدا، وزوجها "أبو الخل" وحياتهما المشحونة على الدوام. تتطرق نرمين الخنسا الى شخصية كاتبة روائية، هي ريان إبرهيم نوار، تعيش في عالمها الأدبي، مع شخصيات رواياتها، متجنبة الإنخراط في علاقة عاطفية، وخصوصاً أنها مرت بالكثير من الخيبات، فأوجعتها، وجعلتها تتوحد مع عزلتها الاختيارية، بعد رحيل الأب والأم. تعرفت إلى عامر، الأكثر حضوراً في معظم المناسبات الثقافية: "كانت شخصيته القوية، وثقافته الواسعة المتجلّية بمداخلاته العميقة والمركّزة تلفت انتباهي وتثير إعجاب الحاضرين من حوله". لاحقها عامر برسائله، واتصالاته، ورسائله الإلكترونية، وتعليقاته على صفحتها في "الفايسبوك"، فصارت تجده في كل لحظة تمر بها، حتى وهي تكتب. ذلك ما أخرجها من عالمها الروائي المتخيل، وأعادها إلى الحياة الواقعية: "فعامر كان ينسج حولي شباكه، بحبكة محببة ناعمة كنسمة صباح، أنعشت أحاسيسي، وزينت لها في داخلي الطريق". تنامت تلك العلاقة، وراحت تغزو طياتها النائمة، وتوقظ حواسها، التي كانت تترك لها العنان مع شخصيات رواياتها: "علاقتي بعامر جعلتني أتصالح مع نفسي ومع أنوثتي التي أخذتُ أفرد لها مساحات أوسع في خريطة اهتماماتي". تتحرك الذات الساردة ما بين روايتين، واحدة تكتبها الخنسا والأخرى تعيشها، وتتوزع مستويات السرد وتتداخل في ما بينهما، كي تتشكل ملامح الحياة من حولها، وفيها تقف على نقاط ارتكاز مهمة، تجدها الكاتبة مناسبة للتطرق إلى حياة الكاتب في عالمنا العربي، وما يعانيه من إهمال، وإهدار للحقوق، ومقارنته بأحواله في الدول الأجنبية، التي تكرم خلاّقيها، وتحتفي بهم. كذلك ترصد الانتفاضات العربية في كل مكان، وسقوط الأنظمة والحكّام، والأحاديث عن المؤامرات هنا وهناك، لتفتت جسم الأمة العربية المتهالكة، في محاولة لافتة للتفاعل مع الثورات العربية وتأججها. تسير وتيرة السرد هادئة، حتى تتأجج العلاقة مع عامر، وتأخذ مساراً أعمق، لتدور في مدار أوسع، حين يلتقيان في بيته، لترتيب بعض أغراض لسفره المفاجئ إلى سويسرا في مهمة عمل لأسبوعين: "تزايدت دقات قلبي، وأنا أستسلم لرغبات جامحة مجنونة، حملتني على بساط العشق، لتطير بي عالياً وترميني فوق الغيوم. فعشت تلك الليلة ولحظاتها بنبض حميم ومشاعر دافئة، رغم تلك الأحاسيس الغريبة التي دهمتني وولدت لديّ حيرة وقلقاً". كان ذلك القلق مؤشراً جيداً للأحداث التالية في التفاصيل السردية. لأن عامر سافر بعد تلك الليلة، وتبدلت أحواله سريعاً في أيام، وتبخرت مشاعره في الهواء، فبدا كأنها سقطت منه فجأة، وتنكر لها، حين لم يعد يتصل بريان، وبدأت هي في التلصص عليه من خلال صفحته على "الفايسبوك"، وظهر ما كانت تخشاه بتعرفه إلى فتاة أخرى هناك خلال سفره، أتت معه إلى بيروت لتمضية بعض الوقت: "لألغي عامر من صفحتي على موقع الفايسبوك بعد أن ألغاني هو من حياته، ورحت أوضب أيامي من جديد، بعدما قررت أن أعيد رسم موقعي فوق خريطة حياتي المزدحمة بالأسئلة والجراح". هكذا، سعت الذات المجروحة الى أن تحدث تغييراً تتجاوز من خلاله ألمها، وأن تجد إجابات عن تلك الأسئلة، وتعبر محنتها وهي تتأمل ذاتها في مرآة الروح، كي تتمكن من أن ترفع نفسها من أتون الحب، الذي عبرها سريعاً، وتركها تحترق فيه، من دون أن يوقفها ذلك عن مسارها الذي اختارته لها نرمين الخنسا في روايتها اللافتة. محمد العشري
جريدة النهار- بيروت
0 comments:
إرسال تعليق