الاثنين، ديسمبر 05، 2011

رواية «خيال ساخن» لمحمد العشري بحث في جرهر الإنسانية


جريدة الوطن- الكويت

نافذة الذات على الذات


رواية «خيال ساخن» لمحمد العشري بحث في جرهر الإنسانية


كتبت د। نورة المالكي


سبق لي الاطلاع على روايات محمد العشري «تفاحة الصحراء» وهي المفضلة عندي و«هالة النور» و«غادة الأساطير الحالمة». وما أثار انتباهي عند قراءتي لهذه الروايات هو طريقة الكاتب في تصوير شخوصه، أسلوبه السردي والواقعية السحرية التي تفيض من صفحات العمل الأدبي.هذه العناصر الثلاثة هي محمد العشري الروائي.ثم قرأت روايته الأحدث: «خيال ساخن» وخطر ببالي ان فضاء العشري الأدبي يتمدد - كما قد يحصل لأبعاد مجرة كونية - وأنه يضيف لوصفته الأدبية ما يجعلها تستحق الجوائز «جائزة نادي القصة للرواية عام 1999»، «جائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة للرواية عام 2001/2000» وأخيراً «جائزة احسان عبد القدوس للرواية عام 2008».
تجسد رواية «خيال ساخن» عالماً لا نملك نحن البشر- المثقلين بالواقع وآلامه أو مشتتين بالخيال وأحلامه - مفاتيحه، عالماً أضعنا طريقنا اليه في اللحظة التي خضعنا فيها لحتمية اللغة وتحكمها في مصائرنا.أصبحنا عبيداً لعالم الواقع (المعاش) أو الخيال- ففي كليهما تترصد لنا اللغة بقيودها وتبقى حية تصوغ شخصياتنا وتعبث بعقولنا.فما لا يُترجم لكلمات يبقى خارج هذا العالم معزولاً عنه وبالطبع عنا...فالحب والأمل والهيام لا تعدوا كونها مصطلحات تفتقد الواقعية في عالمنا اليوم، لماذا؟ جاك لاكان - المفكر والفيلسوف والمحلل النفسي الفرنسي الشهير- في معرض حديثه عن العوالم النفسية الثلاثة العالم، المتخيل، والرمزي، والواقعي «الحقيقي»، التي تؤثر في تكوين الأنا يشير لعدم قدرة الانسان على ولوج الواقع (الحقيقي) الذي قد يضمن له jouissance»» السعادة المطلقة. جل ما يستطيع الانسان تحقيقه هو ان يبقى في عالم متخيل دائم التحول والتشكل، أو ان يكون حبيس واقع معيشي يصطدم بأسواره كلما أراد التحليق ليشعر بانسانيته.وفي كلتا الحالتين يكون كيانه مفصولاً عن عالم المجردات، العالم الذي يفترض ان يكون مأوى انسانيته التائهة...شخصيات «خيال ساخن» الثانوية كالتاجر وساهر (الأب) والبستاني لم يستشفوا قط عبثية وجودهم المادي، ولم يبذلوا جهداً يذكر في مجال أنسنة وجودهم البشري...أنهم، كشخصيات الأساطير البائدة، بلا حقيقة أو جوهر، ومصيرهم كمصير تلك الكائنات الأسطورية... أبدية الوجود كحكاية بلا خاتمة أو نهاية سعيدة...
والعشري وان كان يصور في «خيال ساخن» استحالة تبين حقيقة الذات الانسانية فانه أيضاً يوري عن طريق بطلي القصة بامكانية التغيير الى الأفضل... بأننا قد نستطيع كما جمانة وساهر ان نسبر أغوار ذاتنا فنلمس الدليل على وجودنا... الدفء الذي يغمر الانسان عندما يشعر بأنه جزء من عالم أكبر، وأوسع من حدود أفقه المادي الضيق... عالم لا زمن له، فيه يلتقي الماضي بالمستقبل كطرفي شريط فينطوي الزمان على نفسه بلا توقف ليعيد خلق نفس المواقف والأحداث... انها الأسطورة التي تقفز بداخل حدود المستقبل لتعيد تشكليه.... فيظل الانسان في بحث دائم عن طريقة لجعل تلك الأسطورة حقيقة ذات جوهر ملموس.
»الخيال» في «خيال ساخن» ليس بخيال وانما ذلك العالم الذي يقبع بعيداً خلف أسوار اللغة...لاحظ كيف ان العشري أعطى الخيال صفة حسية ليشدد على أنه موجود وليس علينا نحن كقراء الا ان نمد أيدينا ونشرع نوافذ عقولنا وقلوبنا وننسى مفردات القواميس التي تعلمناها عن ظهر قلب لنشعر بسخونته... بوجوده وبقدرته على ان يصبح واقعاً ان نحن قبلنا ان نكون كجمانة بطلة القصة...هذا ما عرضه علينا العشري في المفتتح... وهو عرض لجمهور من نوع خاص قادرين على تلمس جوهر الواقع (الحقيقي)...وبالتالي الوصول لجنس من السعادة jouissance»» يتجسد ليكون منهلاً لهم مدى الحياة.
»خيال ساخن» باختصار هي دعوة لأن نتحرر من أحلامنا، بأن السعادة قد تعترض دروبنا يوماً، وتأكيد على ان السعادة في حقيقتها هي نهاية مشروع بحث عن جوهر الأشياء ومعانيها... معنى الأمل والحب والهيام...
(ساهر) بطل «خيال ساخن» هو مفتاح ذلك العالم فهو يظهر في بداية الرواية كطيف «لا يلمس الأرض»، يبقى كتوماً حتى يغادر أسرة التاجر ثم يتحول لمجرد تمثال حديقة. يعود ساهر بعيد ذلك في صورة الابن الذي يتعرف على جمانة ويقع في حبها. حقيقة ساهر الأب تتجلى فيما بعد ليظهر لنا مخالفاً لكل توقعاتنا.ومن ثم يثار التساؤل الأهم في الرواية:
الى متى تظل الحقيقة مجرد تخمين...؟!
حين يتجه المجتمع الى الانسانية، ستتغير الأمور.ص(23).
وهذا التساؤل وان كان موضوعه يتمحور حول حدث في الواقع المعاش للشخوص فانه يشير لجدية اهتمام الكاتب بالبحث عن الحقيقة - ذلك العالم الذي يستحيل الولوج اليه كما يقول جاك لاكان.فحقيقة المنقذ لا تظهر الا في الفصل الأخير من الرواية.فتخمين ماهية الحقيقة - أي تخيلها على صورة ما - هو أقصى ما قد يصل اليه البشر في ظل قيود المجتمع.يعيش التاجر مثلاً في ظل عالمه المتخيل حيث التنانين الطائرة والتماثيل التي تعوض عن وجود البشر...يعيش لكي يرسم كائنات من صنوف شتى، ويسلي نفسه بحواراتها الشائقة...شخصية التاجر تفتقد صلتها بالواقع (الحقيقي) وان كانت تحلم دوماً بعالم آخر فهو عالم بلا جوهر تعكسه مرآة الذات لترضي الذات وتواسيها بسبب ما تفتقده...ان صلته المتينة بعالمه ذاك جعلته يشكك بوجود حقيقة ما...بوجود ساهر مثلاً والسلعوة وما جرى بينهما ص(25).
شخصية البستاني الوحيد - بعد سفر ولده وموت زوجته - هي انعكاس لشخصية التاجر.لقد أنشب الواقع المعيشي أنيابه في حياة هذا البستاني لدرجة أنه أصبح يحلم بواقع أفضل... بعالم يكون فيه أكثر سعادة...في حلم البستاني، يكون ساهر (المنقذ) رمزاً لسعادة لم يحصل عليها البستاني قط... سعادة مفرطة لا يمكن لحياته المحطمة ان تستوعبها... أنه يرى قبساً منها فقط في اللحظات التي يلمس فيها التمثال، وكأن مجرد تحسس التمثال الجامد قد تقوده لشيء ما وكأنه - أو صاحبه - مفتاح تلك السعادة ولكنه لم يلن تحت أصابعه كما حدث مع جمانة مثلا.فبطلة القصة والتي كانت فتاة صغيرة عند حدوث واقعة السلعوة، كانت ترى التمثال وكأنه جزء لا يتجزأ من ساهر وليس فقط رمزية التمثال... عالمها «الذي صنعته حولها» ص(27) هو عالم الحقيقة التي تتبعتها حتى تمكنت من لقاء ساهر (الابن)..فبالأمل فقط استطاعت ان تصنع «حياة» خاصة بها «تشكلها كما تريد...لا كما يريد الآخرون» ص(33). لقد أضمرت البحث عن «الحقيقة التائهة» ص(36) ووجدتها أخيراً.تمكنت من العثور على ساهر وبالتالي السعادة التي كانت تطلبها في رباط عاطفي متين مع الرجل الأسطورة...وهنا التقى الماضي مع المستقبل ليحيك خاتمة مناسبة لقصة جمانة وساهر.شخصيتا البطل والبطلة ليستا انعكاساً لبعضهما البعض كما قد يتخيل القارئ - أو كما لاحظنا في شخصية التاجر والبستاني مثلا - بل هما طرفا معادلة يقود أحدهما الى الآخر ويكمله...
قناعة ساهر (الابن)، والتي رأينا انعكاساً لها في حديث جمانة، هي ان الانسان يجب ان يعيش محلقاً في سماء الكون دون عوائق.وما يثير تحفظ البطل هو كيف ان «الانسان اليوم كلما تقدم شبراً وضع المتاريس خلفه وتحته، وعن يمينه وشماله» ص(48).الارادة الحرة هي زاد المسافر لعالم الحقيقة...هي ما جعلت ساهراً ما هو عليه اليوم...تحرر من قيود ماضيه المؤلم وحاضره القاصر عن تأمين السعادة له...وجد ان كل تلك عوائق في طريق تبصره لقوته الذاتية... فقرر ألا يسلبه خيال السعادة المنتظرة أو زيف طلاء الواقع المعيشي السعادة الحقيقية التي قد يقابلها ان هو شد اليها الرحال...
ان رواية «خيال ساخن» ما هي الا بحث في حقيقة الانسان والانسانية... ما هي الا نافدة الذات على الذات كما يقول البطل... بحث في ماهية الحب وحقيقته وكيف ان الطريق اليه يمر بالأمل ثم الهيام اللذان يقودان لمنتهى الحب، وعندها فقط يعانق الانسان السعادة المطلقة.

2 comments:

تجار الدوحه يقول...

مدونه أكثر من رائعه
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
http://www.tjaraldoha.com/vb

king abdaoe يقول...

مشكوووووووووووووووووووووووور جدا جدا
وتسلم الايادى ياغالى
وارجو ان تقوم بزارة مدونتى المتواضعه
مزيكا4ماتش